فهرس الكتاب

الصفحة 21775 من 27364

إن العصر قد اختلف ، والدعوة التي تهدف لتغيير العالم لابد أن تكون متقدمة في وسائلها عن العالم أو على الأقل متماشية معه . فلماذا الاكتفاء بالعرف في زمن شعاره سيادة القانون؟ وهل تأجيل الخطوات العملية التي تحيل الديمقراطية داخل الدعوة إلى قوانين مرعية، والاعتذار بالظرف الأمني وصعوبة التغيير يجعل مصداقية الإخوان في مطالبة الحكام بالديمقراطية داخل مجتمعاتنا محل تساؤل واستنكار من الآخرين؟ ولماذا طاعة الأمن والخوف على سلامة الصف في موضوع الانتخابات الداخلية فقط ، بينما نجد الإخوان عند الانتخابات البرلمانية يتحدون كل حصار أمني ويطالبون الإخوان جميعاً بالخروج في مسيرات وراء المرشحين رغم ما يجره ذلك من سلسلة اعتقالات تشمل الآلاف، فهل الانتخابات البرلمانية تستحق المجازفة بينما الانتخابات الداخلية السرية يعتذر عنه بسلامة الصف وبقبضة الأمن. وهل واقعة القبض على بعض الأعضاء منذ سنوات أثناء انعقاد مؤتمر انتخابي تكفي لتبرير سيطرة بعض الأفراد بشكل مؤبد ودون انتخاب على مقدرات هذه الجماعة الكريمة ؟وهل انقطعت لقاءات ومعسكرات واجتماعات الإخوان نتيجة لحصار الأمن؟ أم أن الأمر جاء كنجدة من السماء للرافضين للديمقراطية ليعتذروا للصف بالظرف الأمني؟ إن هذه الحجة قد صارت محل نظر، وفقدت مصداقيتها تماماً، والأمر لا يبدوا أكثر من شهوة الحكم التي تعمي الحكام في بلادنا والتي تقاتل عليها أناس من خيرة السلف والخلف غفر الله لهم جميعاً. إن من يعجز عن تغيير نفسه فلن يستطيع مطلقاً أن يغير الآخرين، ولا يحق له من الأصل أن يطالب بتغيير الآخرين .

غياب أوعية للشورى وقصر القرار في مستوياته المؤثرة على حفنة قليلة غير منتخبة قد حرم الدعوة من ميزة المشاركة الفعالة من جماهير الصف في تقرير مصير الدعوة في مختلف القضايا الجوهرية ، وحصر الشورى في دوائر محدودة غير متاحة أمام الجميع . وصارت هذه الفئة القليلة العدد تقود جماعة كبيرة جداً ،ويكاد يثقلها الحمل وضعف الكفاءة الإدارية فتقتات على مخزون الدعوة التنظيمي والذي صار هو كل ما لديهم لكل المواقف وتحت جميع الظروف فتعيد تقديم نفس الحلول لمختلف القضايا ، وتقتات على الميراث الحركي والتنظيمي خلال سنوات وسنوات من تواجدها في موضع المسئولية وفي ظل غيبة قانون يضرب لها أجلاً في مناصبها وفي غيبة رقابة ومحاسبة فعالة من لجان منتخبة تمثل القواعد . ثم تبرر دوماً قلة الفعالية وندرة الابتكار بالظروف الخارجية والظروف الأمنية ..الخ . حتى جمدت الأوضاع تماماً، وفقدت الدعوة بريقها وأصبح الهرم مقلوباً وهو لفظ يعلمه الإخوان ولا نريد أن نفشي به سراً .

ونحن نرى أن الحل هو في توسيع دوائر المشاركة وإتاحة المعلومات للجميع وخلق قوانين وأوعية ثابتة لتلقي إسهامات الأفراد، وفتح الباب لتولى المسئوليات الإدارية دون الارتكان للسلم الدعوي الطويل ، والذي تتولى فيه التربية ترقية وتقييم العضو بناء على شروط قد لا تمس عناصر الموهبة والكفاءة الإدارية ، فليس كل أخ في مرحلة العامل والتي يقتصر على أفرادها تولي المسئولية الإدارية، ليس كل من وصل إلى مرحلة العامل قادراً على الإسهام الإداري الفعال حتى نقصر الأمر عليه ، وليس كل أصحاب السبق والأقدمية أقدر من غيرهم على الإدارة والتوجيه والقيادة والتطوير فنسلم لهم الأمر كله ليديروا الدعوة من حجرات مغلقة تمارس فيها الشورى بحق ولكن بعيداً عن جسم الدعوة نفسه . وهو ما نحسبه يخالف سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في اختيار المسئولين أو في المشاورة ، فلو أن صلى الله عليه وسلم كان قد شاور في أمر بدر في حجرة مغلقة مع السابقين للإسلام من كبار الصحابة ، لحُرم من مشورة الحباب بن المنذر بتغوير آبار بدر وحرمان المشركين من الماء والتي كانت بإذن الله أحد أسباب النصر . ومثل ذلك في الخندق وغيرها من عظائم الأمور ، والتي كان المسلمين خلالها مستهدفين بأضعاف ما عليه الجماعة الآن ، ولكنها المشاورة الواسعة والتي أساسها ثقة القيادة حتى وإن كان علي رأسها نبي في قدرة القاعدة على المشاركة بالرأي الصائب . وحتى وإن أنتجت الشورى القرار الخطأ فلا مناص عنها، فحين دفع شباب الإسلام المتحمس الرسو صلى الله عليه وسلم للخروج لملاقاة مشركي مكة خارج المدينة في أحد ، وهي المشورة التي خالفت مراد صلى الله عليه وسلم ، وكانت من أسباب الهزيمة . ولكن جاء الخطاب القرآني العظيم ليقر مبدأ الشورى رغم كل شيء، فقبل أن يصل المسلمين إلى المدينة، وقبل أن يجد مبدأ الشورى من يشكك في جدواه من عامة المسلمين، نزل القرآن ليؤصل لتلك الوسيلة العظيمة في الإدارة مهما كانت تبعاتها ( فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الاَمر) . آل عمران: 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت