فهرس الكتاب
مع اختلاف العصر الحالي عن سابقة ، والذي من سماته أن المعارف البشرية مجتمعة تتضاعف الآن كل 18 شهر تقريباً ، بينما كانت تتضاعف في بداية القرن الماضي كل 30 عام وفي القرن السابق عليه كل 75 عام . وفي مجتمع الانفجار المعرفي مجتمع التبدل السريع في كل شيء ، فقد صارت للقيادة مقومات أخرى تختلف عن ذي قبل ، وأصبح القرار يقوم على المعلومات وعلى الحيوية في رصد الواقع المتجدد وابتكار الجديد من الوسائل التي تناسبه. وبهذا أصبحت الخبرة والأقدمية في هذا السياق عائقاً أكثر منها داعماً للقرار الإداري، وتكريساً للنمطية في تعاطي واقع ووقائع هي غالباً جديدة وغير مسبوقة . لأن الخبرة تؤتي ثمارها عندما تتشابه الوقائع، فيجد الفرد نفسه أمام واقعة قد مرت عليه سابقاً، فيستدعي رصيد خبراته الجاهز ويعيد تكييفه مع القليل المختلف عما سبق ومر به، ويقدم بعد ذلك الحل الجاهز.
إن أحدث أعضاء الإدارة على مستوى مسئولي المناطق فما فوق، قد مر عليه أكثر من عشرون عاماً من الأقدمية، ومن التربي على نفس المصادر التربوية التي يتربى عليها صنوه ، لذلك فقد أنتجت وحدة مصادر التلقي وواحدية المسارات وطول الأمد نمطاً واحد من الأخوة الإداريين . فمسارات الصعود والترقي للمناصب الإدارية طويلة وحازمة في استبعاد المختلف .. فلابد ومن خلال شروط التقييم السنوي التي يترقى العضو بناء عليها ألا يكون قد تجاوز حدود ( الطاعة ) الإخوانية، والتي تعني الاستجابة والقناعة التامة بكل ما يقدم له بلا استثناء . فيستحيل تصعيد من لا يجد في وسيلة الكتيبة شيء مفيد فيمتنع عنها أو من لا يجد في مسئول أسرته أو شعبته مسئولاً مستحقاً للقيادة فيرفض الاستجابة له أو يتجرأ ويثير مشكلة مطالباً بتغييره ، ثم ولابد أن يكون مطيعاً راضياً بما يقدم له، فإذا قيل له ادرس هذا المنهج يدرس هذا المنهج ، اذهب إلى الكتيبة يذهب احفظ يحفظ سدد اشتراكك يسدد، تم تخطيك في الترقية إلى المرتبة الدعوية الأعلى يظهر القناعة والقبول، تم تكليفك بعمل يسارع بالتنفيذ ، تم تغيير نقيبك أو نقلك من أسرتك أو اختيار الأخ فلان لقيادة لجنتك أو شعبتك لا يناقش أو يعترض..الخ . ولا نغالي وندعي أن الأخ الذي سيعترض ويناقش سيُعاقب أو يُبعد، كلا مطلقاً، فحقوق الأخوة مرعية ونشهد بذلك، ولكن أن يتم تصعيده حتى يدخل دائرة القيادة وهو على حاله تلك فأمر مستحيل تماماً، فهو في نظر مسئول أسرته أخ ( ناقص تربية ) .. لذلك يبادر هذا المسئول وآلياً بالعمل وبكل روح الإخوة على ( تصحيح ) هذه الأخطاء من أخيه ، فمن البديهي ألا يقبل بمناقشة ما اقتنع هو به أو رفض ما قبله لنفسه . لذلك ففي موضع القيادة يكون بلا قصد حائط صد للمبدعين وأصحاب الرؤى المختلفة .فالمبدع والمفكر من بديهيات إبداعه أن يرى صور أخرى للأشياء المعروضة . ويرى في الواقع والوقائع قياساً على البدائل الذهنية المتعددة لديه سلبيات فيطالب بتغييرها. فيناقش أحياناً ويعترض أحياناً ويتدخل في أعمال الآخرين حين يرى سلبيات مطالباً بتصحيح هذا العمل أو ذاك أحياناً أخرى ..
الآثار السلبية للتنميط ومنع التعددية الفكرية:
هذا الفرد المبدع داخل الجماعة يشعر بحالة اضطراب نفسي نتيجة لعدم وجود بيئة أو مسئولين يتبنوا إبداعه ويفتحوا الأبواب لاستيعابه . ولما كان الإنسان يميل بطبيعته إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من القبول من جماعته البشرية التي ينتمي إليها . فإنه وبعد أن يعمل آلياً على الوصول لنقطة التعادل النفسي والمتمثلة في الموائمة بين رغباته وميوله وبين متطلبات انتمائه لجماعته البشرية بأن يحاول أولاً أن يؤثر في جماعته بقدر ما يتأثر بها. ولكن مع جماعة لا تؤمن بالتعددية الفكرية ولا تسمح بوجود اختلاف في الرؤى في الموضوع الواحد، فإن المبدع يجد نفسه محاطاً بحوائط صد تمنعه عن محاولة التأثير تلك . فيقوم لتجاوز هذا الصراع النفسي الناتج عن شعوره بالاختلاف عن أقرانه باختيار الأيسر، وذلك بإعادة تأهيل نفسه نحو التطابق مع رؤى الجماعة بعد عدة تجارب فاشلة في التأثير ، فيسترخي تماماً للواقع التنظيمي، ويبدأ بعدها في التشكل على الواقع المحيط ، ويذبل تميزه تدريجياً ويتحول إلى مجرد مُنفذ لأوامر الجماعة وليس عقلاً جديداً انفتحت عليه الجماعة.
أما الجماعات المنفتحة فأنها تفتح الباب لكل جديد، عن طريق الحفاوة بالمجدد، وإعطاء كل صاحب رؤية مغايرة الفرصة كاملة لتجربة رؤيته ووضعها موضع التنفيذ . مع فتح مواضع التأثير أمام المختلفين بنفس القدر الذي تفتح به الباب أمام التقليديين، ليحدث التدافع المحمود، والذي يجعل كل كسب بشري جديد هو في النهاية إضافة إلى حركة النمو العام للجماعة، فيستحيل بذلك أن يترهل شبابها أو تنطفئ فعاليتها ، وتلك إحدى النعم الكبرى للديمقراطية والتعددية. والعكس يكاد يكون العقوبة الإلهية لمحاولة صب الجميع في قوالب واحدة ،ومعاندة سنة الاختلاف البشري والذي جعله الله فطرة للعباد ."ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم"[هود 118ـ119 .