فهرس الكتاب

الصفحة 21778 من 27364

وما الثورات والانشقاقات وأعمال العنف، إلا نتاج طبيعي تماماً لمحاولة استبعاد المخالف وإغلاق منافذ التأثير أمامه، فيتحول الفريقين إلى قنابل موقوتة: الفريق الذي يحتكر القرار والذي تتضخم قناعاته بما عنده كنتيجة لغياب المعارضة المؤثرة. فيزداد إيمانه بأنه هو الصواب المطلق، فيصير متعصباً لما يمارسه ويعتنقه من وسائل وأفكار لم يعترض عليها أحد ولم يرى غيرها. والآخر المستبعد الذي انعدمت أمامه كل السبل المشروعة ليحصل على نفس الفرصة المتساوية لتجربة أفكاره ووضع ذاته موضع التأثير . فيضيق بالتنظيم ويبحث عن التوازن النفسي بأحد طرق ثلاثة:

1.الانسحاب الفردي أو الانشقاق الجماعي إذا وجد من يؤيده.

2.محاولة التغيير بالقوة .

3.الاستسلام والسلبية وفقدان الفعالية .

ويختلف رد الفعل هذا حسب نوع التنظيم البشري وحسب نوع الفرد المحجور عليه فكرياً . ففي جماعة سلمية كالإخوان تضم في بنائها الأيديولوجي غايات كبرى ، وتتخذ الإسلام منهجاً حركياً ، وفي ظل ندرة التنظيمات المماثلة التي تتبنى نفس الأهداف، وتستثمر الوازع الديني الفطري في الأفراد . في ظل كل هذا يستسلم الفرد القابل للاستئناس، ولكن تكون السلبية وانطفاء الفعالية هي رد الفعل الطبيعي له ولأمثاله، وهم الفئة العريضة من المعارضين متوسطي الفعالية والتوقد الذهني بحكم التكوين الطبيعي للبشر . فيزداد الخمول باستمرار ويتحول التنظيم الديني في نظر هؤلاء إلى بوتقة للتطهر فقط ، فلا يري العضو المتدين والمهزوم فكرياً وتنظيمياً في هذا التنظيم سوى فرصة لدخول الجنة والتمتع بحقوق الأخوة في الله ، فيفقد الانتماء حيويته ويتحول إلى عادة أو عبادة بالمعنى الذي أشرنا إليه . وبازدياد أعداد هؤلاء المتعطلين عن البذل الراغبين فقط في التعبد ومدارسة الشرع فيمكن أن تتحول الجماعة إلى ملاذ ومحطة للهاربين من مظاهر الخلل في المجتمع. أي ما يشبه الجيتو المنغلق الذي يتحول إلى مجتمع داخلي مغلق يأخذ من المجتمع أفراداً أكثر مما يعطيه أعمالاً وأفكاراً .

أما الفئة شديدة الفعالية شديدة الاعتداد بالذات ، فتلجأ إلى الحل الأول وهو الانسحاب. وللأسف فلدي الجماعة الآن تيار يزداد باستمرار من هؤلاء المنسحبين المتميزين والمستعصين على الانقياد التام نذكر منهم السادة:

كمال الهلباوي ، فريد عبد الخالق، حازم أبو إسماعيل ابن الشيخ صلاح أبو إسماعيل، الدكتور إبراهيم بيومي غانم ،الدكتور حامد عبد الماجد ،الدكتورة هبة رءوف ،هشام جعفر ،أبو العلا ماضي ،د. محمد عبد اللطيف د. صلاح عبد الكريم، مهندس محمد السمان ، مختار نوح ، الدكتور حامد عبد الماجد قويس ، د . عبد الستار فتح الله ...

وباستمرار هذا النزيف البشري للطاقات سواء بالانطفاء والانكفاء الحركي أو بالهروب التنظيمي، يتحول التنظيم إلى كيان متآكل يترهل تدريجياً ويفقد فعاليته وتضمحل أهدافه الكبرى وتأثيره الاجتماعي والسياسي .

فمعلوم أن قوة أية مؤسسة أو حزب أو جماعة لا تكمن فقط فيما يملكه من أفكار ومبادئ بل أيضاً فيما يملكه من رجال وطاقات ومواهب .. فأحقر المبادئ لو وجدت من يحسنون العمل لها والتحرك بها لسادت على غيرها. وأكرم المبادئ لو لم تجد من يحسنون عرضها وتجميع الناس حولها ثم إنفاذها في الواقع لذبلت وانزوت. فالأفكار العظيمة مرهونة بالهمم العظيمة .. لذلك فالعناية بالفرد وفتح كل آفاق المشاركة أمامه ،وتوفير المناخ الذي يساعد على إطلاق طاقاته ويفجر إبداعاته لا بد أن يأتي على رأس الأولويات، ويُقدَم على أية مشغلة أخرى إذا أراد التنظيم أن يستمر في طريق تحقيق أهدافه الكبرى وليس الاستمرار كجماعة وعظ فقط .

لذلك فالديمقراطية التي نطالب في هذه الدراسة بتوسيع دوائرها وتقديم أدواتها، ليست فرصة لصيانة ذاتية الفرد من الذوبان في المجموع وفقط ، ولكنها وهو الأهم فرصة لصيانة الجماعة ككل من التآكل التدريجي نتيجة لسيطرة الرؤية الواحدة . فالديمقراطية من ضمن معانيها هو السماح بوجود المختلفان معاً، وإعطائهما الفرصة المتساوية ليتدافعا تدافعاً محموداً يأتي بالصواب في النهاية، ويوسع دائرة الاكتساب البشري لتضم المبدع والتقليدي . وتستثمر كل منهما فيما يفيد .

والديمقراطية التي نعنيها والتي يمكن أن تحقق ذلك ، ليست مجموعة أشكال تنظيمية وحسب، ولكنها أيضاً فلسفة عمل ومنطق خطاب وأسلوب تربية . يشمل القواعد كما يشمل النخب. ويعطي الجميع حقوقاً متساوية في المشاركة بالرأي وتولي المناصب ،ويوسع دائرة الخيارات الممكنة أمام الفرد بالثقافة المتنوعة والنقد البناء ، ويخلق بعد توفير هذا المناخ آليات محددة تصون الفرد والفكرة المختلفان من الضياع وسط سطوة التقاليد الفكرية والتنظيمية وواحدية أشكال العمل ودوائره. فالديمقراطية نفوس ونصوص . وكما يقول الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين في وثيقة مقدمة لمؤتمر أولويات وآليات الإصلاح في العالم العربي"الذي عُقد بالقاهرة من 5 إلى 7-7-2004:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت