فهرس الكتاب
أذكر أنه قد جمعني يوماً حديث طويل مع رجل فاضل في موضع المسئولية داخل الإخوان. واستدعى الحوار في أحد مراحله أن يقول لي محدثي أن"الإخوان أفراد متجردون وربانيون ولا يوجد بينهم من ينزع إلى رئاسة أو ينشغل بتقييم سنوي".. فاعترضت علي هذا الوصف المبالغ فيه، لأنه يحرم فرد الإخوان تحت دعاوى التجرد والنزاهة من المطالبة بالكثير من الحقوق التي يتمتع بها الإنسان العادي في مؤسسته أو حزبه أو جماعته. وقلت أنه لا يعيب فرد الإخوان أن يكون بشراً عادياً يميل إلى كل ما يميل له الإنسان العادي، من حب للتقدير ونزوع أحياناً لتولي المسئولية ورغبة في الصدارة .. إلى غير ذلك من النوازع البشرية الفطرية التي يهذبها الإسلام ولا يمنعها . ويكفيه شرفاً أنه إنسان متطوع يعمل في جماعة محظورة ويتحمل المخاطر ويبذل من وقته وجهده وماله في وقت توحشت فيه ( الأنامالية ) بين كثير من الناس العاديين .فإن للإنسان دوافع فطرية لكي يعمل وينتج . بحثها أهل العلم والاختصاص ووجدوا على رأسها دافعاً أدهشني معرفته في حينه ألا وهو دافع الرغبة في الحصول على تقدير الآخرين . وهو ما وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه ( عاجل بشرى المؤمن ) . وللأسف فإن إهمال هذا الدافع البشري في الحصول على التكريم والتقدير الأدبي، وعدم العناية الكافية بإشباعه من قيادات العمل تحت مظنة التجرد قد أصاب لكثيرين ولا يزال بدرجة من درجات الإحباط المعنوي الذي يتأخر بصاحبه ولا يتقدم، ويجعله يحجم عن المشاركة الفعالة لأنه يظن أن إنجازه مهملاً من إخوانه.
فنظام التقييم وتحت دعاوى التجرد يحرم المجيدين من أي شكل من أشكال التكريم المعنوي الذي يُشعر الفرد بأن إنجازه محل تقدير من جماعته . وهو التكريم الذي كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يحرص عليه مع أصحابه دائماً . فيدعوا لهذا ويصف ذاك بأنه أحب الناس إليه ويبشر البعض بالجنة. وقد أظهرت لنا السيرة كيف كان الصحابي يطير فرحاً بهذا التقدير . وهو نفس النهج الرباني في تقدير أصحاب الهمم العظيمة من المسلمين مثل قوله تعالي فيمن شاركوا في بيعة الرضوان ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) الفتح 18. وغير ذلك من الآيات ومواقف السيرة الكثير مما لا يسع المقام لحصره.
مناقشة المتأخر.
وكما أن نظام التقييم الحالي يحرم المجيدين من أشكال التكريم الذي يشعرهم بقيمة إنجازهم ، فإنه يجرح في المقابل مشاعر الآخرين ممن لم يحسنوا الأداء، وذلك بعدم مكاشفتهم بأسباب تأخرهم عن غيرهم. فالفرد في الأسرة يجد أن زميلاً له قد رقي للمستوى الدعوي الأعلى بينما هو لا يزال مكانه. وهو في قرارة نفسه شأنه شأن كل البشر يرى نفسه رجل إنجاز وحسن أداء. وقد يكون القليل الذي قدمه قد أخذ منه أضعاف الجهد الذي قدمه الآخر المتميز ، وذلك نظراً ربما لضيق وقته أو صعوبة ظروف عمله أو مشاغله الأسرية لكثرة أبناءه أو ظروف تعليمهم أو غير ذلك. فرب درهم سبق ألف درهم . فيجد العضو عند ذلك في نفسه. وقد وصل الأمر بالبعض إلى الخروج تماماً من الصف أو مكابدة شعور عميق بالإحباط . وهو بالطبع لا يستطيع أن يناقش تقريره لأنه أولاً لا يسمح له بالإطلاع عليه ولا يلمس إلا نتائجه . وثانياً لأن الرد معروف وهو الحديث عن التجرد ونكران ألذات وربانية العمل ..مما يلجم الألسن ويفتح الباب في المقابل لسوء الظن بالنفس أو الغير.
تعديل نظام التقييم لحماية المختلف:
لذلك ونحن لا زلنا في معرض الحديث عن تقديم الفرص المتساوية للجميع داخل الصف ما دام الكل يعمل في نطاق ثوابت وأهداف الجماعة أن يتم الآتي:
1-تعديل نظام التقييم وجعله لا يرتكز فقط على الجانب التربوي ولكن يشمل جوانب أخرى من الأداء . وذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام متساوية:
ثلث يقوم به مسئول الأسرة والتربية ويرتكز كما هو الحال الآن على الأداء التربوي للعضو .
ثلث يقوم به مسئول اللجنة الدعوية ويرتكز على إنجاز العضو في لجنته .
ثلث يرتبط بمساهمات الفرد الفكرية ونشاطه في ابتكار واقتراح وسائل إيجابية للنهوض بالعمل ، وتقوم به الجهة المنوط بها تلقي إسهامات الفرد .
2-وضع لائحة تضم معايير التقييم وإتاحتها للجميع والسماح للعضو بمناقشتها وإعطاءه دورة فيها .
3 -البدأ بالتقييم من العضو نفسه، بإعطائه استمارة تقييم تضم عناصر التقييم الرئيسة . مع السماح له بإعطاء نفسه درجة في كل بند . وتوضع له خانة يذكر فيها المعوقات التي تمنعه من الأداء الجيد في هذا البند أو ذاك . وإذا جاء تقييمه لنفسه قريباً من تقييم مسئولي العمل أو أقل منه فبها ونعم. وإذا كان غير ذلك فتتم مناقشته على انفراد وتذكر له إيجابياته وكذلك ما يراه المسئول من سلبيات، ويتم مناقشته في أسبابها، وتقترح معه الحلول لعلاجها. بحيث أن من يحصل على تقدير ضعيف تكون أسباب هذا الضعف قد اتضحت أبعادها تماماً له وللمسئول، والذي ينتقل بعدها لتقديم العلاج المحدد والذي يتناول أصل الداء. بدلاً من الاكتفاء بنقد الأداء فقط كما يحدث غالباً الآن.