فهرس الكتاب

الصفحة 21806 من 27364

نعم .. جاءت الديمقراطية قائلة لنا إن الناس تحت نظامها وعباءتها سواسية ما داموا منضبطين بقواعدها ومحترمين لأنظمتها ومستمسكين بقوانينها ، سواء في ذلك المؤمن والكافر ، والصادق والمنافق ، والموحد والملحد ، والصديق والزنديق ، والمغضوب عليهم الضالون والمتقون المهتدون ، ولكنا وجدنا كتاب الله الناطق بالحق الداعي إلى الهدى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم خبير يقول لنا: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} ، ويقول: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ، ويقول: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ، ويقول: {أفمن وعدناه منا وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} ، ويقول: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ، ويقول: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} ، ويقول: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون} ، ويقول: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ، ويقول: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} ، ويقول: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} ، فأين هذا مما تدعو إليه الديمقراطية وتجعله أصلا من أصولها التي لا تقبل التحوير ولا التغيير؟

فلما ولج بعض الإسلاميين حلبة الديمقراطية وخاضوا غمارها ودخلوا لعبتها ووجدوا هذا الأصل الأصيل مرتكزا من مرتكزاتها بمفهوم واضح ومحدد وأنه ليس محلا للنقاش فضلا عن الإلغاء ، لم يجدوا بدا من البحث والتنقيب عن ما يسايرون به مفهومها من شريعة الإسلام ، ولكن أنى لهم هذا وصريح الآيات المذكورة آنفا يناقض هذا المفهوم ويضاده من كل الوجوه جملة وتفصيلا وهنا وقع الحرج بين اختيار النهج الديمقراطي كما هو بمفهومه ومن ثم طرح كل ما تدل عليه تلك الآيات ، أو قبول هذه الآيات بدلالاتها الواضحة الجلية ومن ثم التبرؤ من المسلك الديمقراطي وكشف حقيقته وبيان مصادمته لدين الله تعالى وأنه لا وجه لالتقائهما بأي حال من الأحوال .

وللأسف - ونقولها بمرارة- إن كثيرا منهم راح يلوك العبارات الممجوجة غير مكترث بشيء من تلك الأدلة مسويا بين النصارى والمسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، وصار النصارى - حسب عباراتهم - إخوانا لهم في الوطنية ، بل وجعل حق الترشح للرئاسة مشروعا لكل من هب ودب - ما دام محترما للمشروع الديمقراطي- بدءا من المسلم التقي وانتهاء بالشيوعي الملحد ، وعاد الأمر والقول الفصل في ذلك إلى الشعب ونسي قوله تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} وخالف الإجماع المنعقد على عدم ولاية الكافر على المسلم في أي شيء .

أما عن الشروط العمرية المعروفة والمجمع عليها على الجملة والمتعلقة بأهل الذمة ، فلم يكن ثمة أهون من تحويرها بل ردها وجعلها اجتهادا خاصا في زمن خاص لظروف خاصة وكأنهم لم يقرءوا {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، فانحسرت بل اندثرت بذلك أوثق عرى الإيمان ، وألغيت عقيدة الولاء والبراء ، فظهر فساد كبير وشر مستطير مصداقا لقول الله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} .

فهل يعي الديمقراطيون مدى الكارثة والطامة والداهية التي يجرونها إلى أمتهم بذلك ، وكيف تصير الديمقراطية التي تدعو لتلك التسوية المطلقة من دين الله تعالى ، ألا يكفي لنبذها أن تصبح القضايا المسلمة والقطعية في شريعتنا موضع نقاش وأخذ ورد.

نعم.. جاءت الديمقراطية لتقول لنا إن الشعب في النظام الديمقراطي هو الحكم والمرجع ، وله كلمة الفصل والبت في كل القضايا ، فحقيقته في هذا النظام تقول: {لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ، له الحكم وإليه يرجعون} إرادته مقدسة ، واختياره ملزم ، وآراؤه مقدمة محترمة ، وحُكمُه حكمة وعدل ، من رفعه رفع ومن وضعه وضع ، فما أحله الشعب هو الحلال ، وما حرمه هو الحرام ، وما رضيه قانونا ونظاما وشريعة فهو المعتبر ، وما عداه فلا حرمة له ولا قيمة ولا وزن ، وإن كان دينا قويما وشرعا حكيما من عند رب العالمين .

وهذا الشعار أعني حكم الشعب للشعب هو لب النظام الديمقراطي وجوهره ومحوره وقطب رحاه الذي تدور عليه كل قضاياه ومسائله فلا وجود له إلا بذلك ، فهذا هو دين الديمقراطية الذي تدعو إليه جهارا نهارا ويقرره منظروها ومفكروها ودعاتها على رؤوس الأشهاد ، وهو ما نشاهده ونلمسه في الواقع الذي نراه ونعاينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت