فهرس الكتاب

الصفحة 21807 من 27364

فأين هذا الكفر والضلال والخبال مما هو معلوم في دين الله تعالى بالاضطرار من أنه لا حكم إلا لله ، ولا شرع إلا ما أنزله على نبيه ومصطفاه ، وأن الجاهلية وصف لكل شرع سواه ، والذي تقرره وتنص عليه آيات وأحاديث لا تعد ولا تحصى ألم يقل الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ، ومن أحسن من حكما لقوم يوقنون} ، ألم يقل سبحانه: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} ، ألم يقل: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ألم يقل {ولا يشرك في حكمه أحدا} ، ألم يقل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } والظالمون والفاسقون ، ألم يقل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} ، والآيات الواردة في هذا الصدد يضيق المجال بذكرها هنا ، فلماذا نصم آذاننا ونعمي أبصارنا عنها ونوليها ظهورنا .

أليست هذه الآيات من الواضحات البينات الجليات التي لا مجال لتأويلها أو تحويرها أو تجاوزها ، أليس مدلول تلك الآيات كلها يصطدم اصطداما مباشرا لما تدعو إليه الديمقراطية وتعتبره لبها وحقيقتها ، أليس قبول هذه الأفكار والتسليم بها والاستسلام إليها يقابله اصطلام ونسف لقضية هي من أكبر وأعظم وأخطر القضايا في دين الله تعالى؟

إن ما يقره ويقبله النظام الديمقراطي من بعض الحدود والعقوبات والشرائع التي توافق دين الإسلام لم يقبلها أو يقرها لأنها دين ملزم وشريعة محكمة من عند الله سبحانه لا يجوز الخروج عنها أو ردها أو تعقبها ، ولم يقبلها استسلاما وإذعانا وانقيادا للأوامر الإلهية إنما تقر وتقبل ويعترف بها وتحترم لأن الشعب - وهو الحَكَم في هذا النظام - قد أقرها ورضيها وصوت لأجلها ، ولو أن القانون نفسه رفضه الشعب في جولة أخرى من جولاته التي لا تنتهي لكان ذلك القانون ملغى ولا قيمة له ولا وزن ولا يستحق أن يحترم أو يقدس ، فما أبعد هذا عن قول الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ، وعن قوله تعالى: {والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} ، وأهله أحق الناس وأولهم دخولا فيمن نفى الله عنهم الإيمان مقسما بنفسه المقدسة وذلك بقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . الآية.

ومما يشار إليه في هذا الصدد أن الإسلاميين الديمقراطيين ورغم وضوح هذا التضاد والتعارض لكل مسلم بين نظام الديمقراطية ودين الله تعالى إلا أنهم أبوا إلا أن يقحموا هذا المفهوم الغربي الغريب في الإسلام بشتى الطرق وتكلفوا في ذلك تكلفا شنيعا وتعسفوا تعسفا فظيعا كقولهم: إن هذا من الشورى التي ذكرها الله في كتابه بقوله: {وأمرهم شورى بينهم} وقال لنبي صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر} ، فأصبحت - عندهم-"سلطة الشعب ورأيه"مع"الشورى"بالمفهوم الإسلامي وجهان لعملة واحدة ، وما هي - كما قال بعضهم - إلا بضاعتنا ردت إلينا فلم الحرج إذاً في قبولها؟!‍

بل لم يكتف بعض الديمقراطيين بذلك التكلف والتعسف ونظرا للأسئلة الملحة والمحرجة والمتكررة التي تأتيهم من هنا وهناك عن طبيعة رأيهم فيما إذا اختار الشعب أن يحكم بالنظام الشيوعي مثلا أو غيره من الأنظمة الكافرة مجيبا بكل صراحة ووضوح: لو فاز الحزب الشيوعي فسأحترم رغبة الشعب واختياره، ومثل هذه العبارات في تصريحاتهم ولقاءاتهم كثيرة جدا .

فليت شعري ما هو الإسلام الذي يدعو إليه هؤلاء وهم يقبلون ويعتنقون الديمقراطية - وهي دين كما ترى - بحذافيرها ويرددون شعاراتها ويقررون مبادئها ويمدحون ويزكون حقائقها كما سطرها أساطينها ، هلا إذ عجزوا عن المواجهة وتحمل أعباء التكاليف انزووا جانبا وحفظوا على أنفسهم دينهم وعقيدتهم وتجنبوا إدخال الناس في دوامة اللبس والتشويش وخلط الحق بالباطل.

إن تتبع تفاصيل مصادمة النظام الديمقراطي لدين الله تعالى لا يناسب هذا المقام وهو أفدح وأقبح مما يتصوره كثير ممن جروا في ركابها وانساقوا وراء بهرجتها واستظلوا بظلها ، ولكنا نقول في الختام:

إن فتنة الديمقراطية التي دهمت الساحة الإسلامية اليوم هي في حقيقتها وواقعها أعظم وأدهى من فتنة خلق القرآن التي أصيبت بها أمتنا حقبة من الزمن ، أو على الأقل لا تقل عنها خطورة ذلك أن فتنة خلق القرآن - مع فظاعتها وعظمها - كانت محصورة في جانب من جوانب هذا الدين حيث لم تتدخل في أخلاق الناس أو سلوكهم أو عباداتهم أو معاملاتهم أو علاقاتهم مع أعدائهم وما تقتضيه من العداوة والبغضاء والبراءة ، هذا مع وجود وتوافر العلماء الصالحين الأثبات الذين تصدوا لها بقوة ووقفوا أمامها بحزم حتى انكشفت غمتها وأزيلت ظلمتها ، ونالوا أوسمة الشرف والرفعة ووضع لهم القبول في الأمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت