فهرس الكتاب

الصفحة 21862 من 27364

جاء في الحديث عن عدي بن حاتم، لما قدم على صلى الله عليه وسلم - وهو نصراني - فسمعه يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} ، قال: فقلت له: (إنا لسنا نعبدهم) - أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب - قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلون؟) ، قال: فقلت: (بلى) ، قال: (فتلك عبادتهم) .

ورحم الله سيّد قطب إذ يقول: (إن الناس في جميع الأنظمة الأرضية يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، يقع في أرقى الديمقراطيات، كما يقع في أحط الديكتاتوريات، سواء) .

وقال: (أظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية؛ تعبيد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة الموازين لهم، فمن ادعى لنفسه شيئاً من هذا كله؛ فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلهاً من دون الله) .

وقال: (إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده، وليس ذلك لأحد من البشر، لا فرد ولا طبقة، ولا أمة، ولا الناس أجمعين إلا بسلطان من الله ووفق شريعة الله) انتهى كلامه.

ثانياً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء في ظل الأنظمة الديمقراطية أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ويرتد إلى أي دين وقتما شاء، وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الخروج عن دين الله تعالى، إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل.

وهذا أمر لا شك في بطلانه وفساده، ومغايرته لكثير من النصوص الشرعية، إذ أن المسلم لو ارتد عن دينه إلى الكفر، فحكمه في الإسلام؛ القتل، كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره: (من بدل دينه فاقتلوه) ، وليس"فاتركوه"!

فالمرتد لا يصح أن يعقد له عهد ولا أمان ولا جوار، وليس له في دين الله إلا؛ الاستتابة أو السيف.

ثالثاً:

تقوم الديمقراطية على اعتبار الشعب حكماً أوحد، تُرد إليه الحكومات والخصومات، فإذا حصل أي اختلاف أو نزاع بين الحاكم والمحكوم؛ نجد أن كلاً من الطرفين يهدد الآخر بالرجوع إلى إرادة الشعب وإلى اختياره، ليفصل الشعب ما كان بينهما من نزاع أو اختلاف.

وهذا مغاير ومناقض لأصول التوحيد، التي تقرر أن الحَكَم الذي يفصل بقضائه بين النزاعات هو الله تعالى، وليس أحد سواه، قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} .

بينما الديمقراطية تقول؛"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الشعب، وليس إلى أحد غير الشعب"!

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه"إعلام الموقعين": (جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد، انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء الآخر) انتهى كلامه.

ثم إن إرادة التحاكم إلى الشعب أو إلى أي جهة أخرى - غير الله تعالى - يعتبر في نظر الشرع من التحاكم إلى الطاغوت الذي يجب الكفر به، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} ، فجعل الله سبحانه وتعالى إيمانهم زعماً ومجرد ادّعاء لا حقيقة له، لمجرد حصول الإرادة في التحاكم إلى الطاغوت وإلى شرائعه.

وكل شرع غير شرع الله، أو حكم لا يحكم بما أنزل الله؛ فهو يدخل في معنى الطاغوت الذي يجب الكفر به.

رابعاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أياً كان هذا التعبير، ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية وشعائر الدين، إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه أو التطاول عليه بقبيح القول.

قال تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم} ، وقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} .

خامساً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ؛ فصل الدين عن الدولة وعن السياسة والحياة، فما لله لله - وهو فقط العبادة في الصوامع والزوايا - وما سوى ذلك من مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فهي من خصوصيات الشعب.

{فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} .

وهذا القول منهم؛ معلوم من ديننا بالضرورة فساده وبطلانه وكفر القائل به، لتضمنه الجحود الصريح، كما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهو جحود صريح لبعض الدين الذي نص على أن الإسلام دين دولة وسياسة، وحكم وتشريع، وأنه أوسع بكثير من أن يُحصر في المناسك، أو بين جدران المعابد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت