وهذا مما لاشك فيه أنه كفر بواح بدين الله تعالى، كما قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} ، وقال تعالى: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً اليماً} .
سادساً:
تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أياً كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب.
وهذا مبدأ باطل شرعاً، وذلك من أوجه:
منها؛ أنه يتضمن الإقرار والاعتراف - طوعاً من غير إكراه - بشرعية الأحزاب والجماعات، بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها وفسادها وكفرها في البلاد وبين العباد.
وهذا مناقض لكثير من النصوص الشرعية، التي تُثبت أن الأصل في التعامل مع المنكر والكفر؛ إنكاره وتغييره، وليس إقراره والاعتراف بشرعيته، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .
قال ابن تيمية رحمه الله: (فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله بإتفاق العلماء) انتهى كلامه رحمه الله.
ومنها؛ أن هذ الاعتراف الطوعي بشرعية الأحزاب الكافرة يتضمن الرضى بالكفر، وإن لم يصرح بفمه أنه يرضى بحريتها، والرضى بالكفر؛ كفر.
قال تعالى: {وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} .
ومنها؛ أن من لوازم الاعتراف بهذا المبدأ؛ السماح للأحزاب الباطلة - بكل اتجاهتها - بأن تبث كفرها وباطلها، وأن تغرق المجتمع بجميع صنوف الفساد والفتن والأهواء، فنعينهم بذلك على هلاك ودمار البلاد والعباد.
سابعاً:
تقوم الديمقراطية على مبدأ اعتبار موقف الأكثرية، وتبَنّي ما تجتمع عليه الأكثرية، ولو اجتمعت على الباطل والضلال والكفر البواح، فالحق في نظر الديمقراطية - الذي لا يجوز الاستدراك أو التعقيب عليه - هو ما تقرره الأكثرية وتجتمع عليه، لا غير.
وهذا مبدأ باطل لا يصح على إطلاقه، حيث إن الحق في نظر الإسلام هو ما يوافق الكتاب والسنة، قل أنصاره أو كثروا، وما يخالف الكتاب والسنة؛ فهو الباطل، ولو اجتمعت عليه أهل الأرض قاطبة.
قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .
وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} ، فدلت الآية الكريمة؛ أن طاعة واتباع أكثر من في الأرض ضلال عن سبيل الله تعالى، لأن الأكثرية على ضلال، ولا يؤمنون بالله إلا وهو يشركون معه آلهة أخرى.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لعمر بن ميمون: (جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك) .
وقال الحسن البصري: (فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكونوا كذلك) .
ومما يلفت النظر ويشتد له العجب...
أنه رغم ما جرّت التجارب الديمقراطية على المسلمين من نتائج سيئة ووخيمة، أفضت إلى الضعف والاختلاف والتفرق والشقاق والنزاع، حيث الجماعة أصبحت جماعات، والحزب أصبح أحزاب، والحركة أصبحت حركات متنافرة متباغضة.
رغم كل ذلك وغير ذلك مما يشين؛ فإن أقواماً لا يزالون يستعذبون الديمقراطية وينافحون عنها، كأنهم أربابها وصانعيها، أُشربوا في قلوبهم حب الديمقراطية كما أُشرب بنو إسرائيل من قبل في قلوبهم حب العجل، فما نفعهم سمعهم؛ فردعتهم الآيات القرآنية والنصوص الشرعية، ولا نفعتهم عقولهم وأبصارهم؛ فبصرتهم بالواقع المرير الناتج عن تطبيق الديمقراطية.
وتعذر بعضهم بشبهة"المصلحة"و"الوصولية للقرار والسيادة عن طريق الديمقراطية"، واتخذوها سبيلاً لنيل المقاصد الشرعية والدينية، ولم يلتفتوا لشرعية هذه الوسائل وأحكامها في دين الله عز وجل، ودخلوا من جحر المساومة والمقايضة على ثوابت العقيدة والمنهج باسم"المصلحة"و"الغاية".
روى الطبري في تفسيره قال: لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف؛ رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: (يا محمد! هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خير مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت منا بحظك) ، فأنزل الله: {قل يا أيها الكافرون} ، حتى انقضت السورة.
إننا نجد في هذه الحادثة؛ أن قريشاً طلبت من رسول ا صلى الله عليه وسلم أن يتنازل لها، وتتنازل له، حتى يلتقيا حول نقطة واحدة.