فهرس الكتاب
الباب الخامس؛ لماذا نرفض الديمقراطية؟
إننا نرفض الديمقراطية شكلاً ومضموناً ليس لأسباب تتعلق بالعقيدة التي ندين بها, ولا الحكم الشرعي فيها فقط, ولا لما ذكرناه سابقاً, ولكن لغيرها من الأسباب وهي كثيرة نذكر منها:
أن الديمقراطية جاءت لسد الفراغ الهائل الذي حدث في أوروبا ودول الغرب بعد القضاء على الامبراطوريات والملكيات في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وغيرها, وحدوث فراغ سياسي كبير, وكذلك القضاء على سلطة الكنيسة ورجال الدين النصارى, حيث كان الملك أو الامبراطور هو الذي يعيِّن الوزراء والمساعدين والولاة والمستشارين وقادة الجيوش... إلخ.
فأصبح لزاماً بعد زوال هذا النظام أن يقوم الشعب بنفسه عن طريق ممثليه باختيار من يشغل كل هذه المناصب, بدءاً من الرئيس وحتى عضو المجلس النيابي أو البلدي, فكان لابد لهم من تشكيل الأحزاب السياسية ومن ثم اختراع النظام الديمقراطي.
"فالديمقراطية ظهرت في أوروبا كنظام حاكم - إثر الثورة الفرنسية - نتيجة للظلم الكنسي، والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة - بمقتضى اختصاصها بالحق الإلهي المقدس المزعوم - بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء والمفكرين الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية، حيث كانت لهم الاجتهادات والتفسيرات لبعض الظواهر العلمية التي تعارض وتغاير ما كانت عليه الكنيسة، وهذا أمر لم تكن الكنيسة - يومذاك - أن تتحمله أو تُطيقه، فحملهم ذلك على تصفية وتعذيب كل مخالف للكنيسة وتعاليمها؛ ومحاكم التفتيش وما كان يجري فيها من مجازر وقتل وتعذيب وحشي، وأحكام صورية ترعاها الكنيسة وتقوم عليها، ليست أخبارها عن المسامع ببعيدة..."
في هذه الأجواء ظهرت الديمقراطية الحديثة، فجاءت ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة، وما كانت تفرضه الكنيسة على العباد باسم الله، حيث كانت تزعم لنفسها الحق في التكلم نيابة عن الله، وهذا ليس لأحدٍ سواها!
فعملت الديمقراطية على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقاً خالصاً لباباوات المجالس النيابية بزعم تقرير مبدأ سيادة الأمة والشعب، ففرت من سيادة مخلوق إلى سيادة مخلوق آخر، ومن ألوهية مخلوق إلى ألوهية مخلوق آخر؛ لكن في المرة الثانية جاءت ألوهية هذا المخلوق - بعيداً عن الكنيسة والدين - باسم الشعب والأمة كما زعموا!
فكانت الديمقراطية بذلك أول من تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) [8] .
ونحن نعجب ولعلكم تعجبون معنا! كيف سارت البشرية هذه القرون الطويلة والأعمار المديدة منذ آدم عليه السلام إلى عهد قريب بدون"الديمقراطية"؟!
وكيف حققت البشرية قبل تطبيق النظام الديمقراطي - خاصة في زمن الخلافة الإسلامية - من التقدم الحضاري والمدني والمعماري, وخلَّفت من التراث الثقافي والاجتماعي والفني ما تعجز عن تحقيق معشاره أعتى الديمقراطيات الحالية؟
كيف تم كل ذلك بدون الديمقراطية, وما هي الضرورة لفرضها على الشعوب المسلمة إذن؟!
إنَّ أساس الحكم في الإسلام أن يوِّحد لا أن يفرِّق، يجمع الأمة تحت قيادة واحدة وراية واحدة، فمن ارتضته الأمة لقيادتها ووضعت فيه ثقتها, من حقه وقد حمل تلك الأمانة الثقيلة أن يختار مساعديه ونوابه ووزراءه وولاته, بالاستعانة بمستشاريه وخاصته وأهل الحل والعقد, وأن يجد الدعم الكامل من جميع أفراد وطبقات الشعب, لا أن تفرض عليه الحكومة فرضاً ومجلس شوراه قسراً, ثم بعد ذلك يعتبر هو المسؤول أمام الله ثم الأمة!
وتطبيق الديمقراطية يزيد الأمة تفرقاً وتشتتاً، ففوق تفرقها الدولي واللغوي والعرقي والطائفي والقبائلي, جاءت الديمقراطية لتقسِّّم الناس إلى شيع وأحزاب"رسميين"يتقاتلون فيما بينهم من أجل الكراسي وعضوية المجالس النيابية.
والله ينهى عن التفرق ويحذِّر من عاقبته الوخيمة في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ويقول تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .
ولنا تجربة حية في أفغانستان زمن الاجتياح السوفيتي لأراضيها, عندما أجبرت الولايات المتحدة المهاجرين الأفغان إلى باكستان - وهم بالملايين - على الانتماء لأحد الأحزاب الرئيسة السبعة التى تم تشكيلها, وعلى رأس كل منها أحد القادة المجاهدين أو العلماء, وربطت استلام المساعدات والإقامة في المخيمات بتلك العضوية, ولعبت دوراً خطيراً في زيادة تجزئة الشعب وإدخال عنصر جديد للتناحر والاقتتال, ما بين: حزب وجمعية واتحاد وحركة... إلخ, ولا زالت أفغانستان تدفع ثمنه إلى الآن, وبعد أن كانت تعاني التقسيم العرقي فقط, أصبحت تعاني من الأمرين معاً.