فهرس الكتاب

الصفحة 21904 من 27364

ونفس الشئ يحدث الآن في العراق من قيام قوات الاحتلال بإثارة النعرة الطائفية التي كانت ميتة على الساحة الداخلية, وهو أمر يهدد بزيادة عوامل التفرق في داخل المجتمع واحتمال قيام حرب أهلية ما بين السُّنة - الذين يتحملون أعباء المقاومة ضد القوات المحتلة وصاروا أقلية مستضعفة يستولي الشيعة على مساجدهم ويقتلون أئمتهم - والشيعة الذين يزعمون أنهم يمثلون أكثر من ثلثي الشعب العراقي ويريدون أن يلتهموا الغنيمة باردة.

وبين الأكراد الذين يطالبون بمدينة"كركوك"الغنية بالبترول لتكون عاصمة لهم, ويعدهم الأمريكان بمنحهم 6 محافظات كاملة, في إطار ما يسمى بـ"الفيدرالية"، والتركمان الذين تدعمهم تركيا بحكم الاشتراك في عرق واحد.

ثم إن الأصل في المؤمنين هو قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعاون على البر والتقوى، لذلك لا يوجد شيء اسمه حكومة مقابل معارضة دائمة منظمة! فالحاكم أو الحكومة إنْ أحسنوا وجب على الجميع أن يكونوا معهم يداً واحدةً, وأن يعينوهم ما استطاعوا.

وإن أساءوا وجب النُّصح والتقويم على حسب التدرج الذي بَيَّنته الشريعة الغرّاء وسيرة الخلفاء الراشدين, والأئمة الفقهاء المخلصين, حتى لو وصل الأمر إلى حد تقويم ذلك الاعوجاج بالسيف.

وكما ذكرنا فإن الديمقراطية الصورية التي تطبق في بلاد المسلمين تعطي الحاكم"الشرعية"في أن يفرض ظلمه وطغيانه باسم القانون والدستور ودولة المؤسسات, وتتحمل الحكومة الوزر دائماً وتتم إقالتها وحل البرلمان كلما أصابت الأمة نكبة من النكبات أو مصيبة من المصائب, والحاكم آمن في قصره يداعب مساعداته أو حيواناته الأليفة التي يقتنيها, وقد يلجأ إلى التخلص من أقرب معاونيه ومستشاريه, لأن الكرسي لا يتسع إلا لشخص واحد, وطبقاً للقاعدة:"إنَّ الرئيس دائماً يضحي بجنوده بدلاً من أن يضحي بنفسه".

وإن أنس فلن أنس صورة الدكتور يوسف والي الأمين العام السابق للحزب الحاكم في مصر، الذي ظل يشغل المنصب لأكثر من عشرين عاماً, ثم يقف على شاشات التلفاز ليقول بكل ذلِّة وانكسار: (نحن جميعاً مثل السكرتارية عند سيادة الرئيس, الذي يقوله ننفذه) , وذلك تعليقاً على الأنباء التي ترددت عن إقالته من منصبه بعد ذلك العمر الطويل من الخدمة المتفانية.

وكما أن ضحايا التغييرات الوزارية غالباً ما يكونون سيئين ويستحقون التغيير بل المحاكمة, فإنَّ كثيراً ما تحرم الأمة من جهود علماء أكفاء ووزراء موفقين خرجوا نتيجة حل المجالس النيابية بقرار من الرئيس في الوقت الذي تخلت الحكومة فيه عن دعمهم في الحملة الانتخابية وانقلبت عليهم, وهناك كفاءات لن تدخل الحكومة أبداً؛ إما لاستقلاليتها, أو لانتمائها للمعارضة, والخاسر هو الأمة!

كما أن دائرة السرقة والنهب والاختلاس والاستيلاء على المال العام تتسع, لأن كل عضو في المجالس النيابية أو الوزارة يأتي بطاقم جديد يدين له بالولاء والطاعة ومرتبط به, والجميع في سباق مع الزمن لتأمين مستقبل أولادهم وأحفادهم خلال أشهر معدودة تضاف بعدها إلى ألقابهم كلمة"سابق"- أي وزير سابق, نائب سابق,... إلخ -

خاصة إن كان هذا النائب أو الوزير أو غيرهما فقيراً أو وضيعاً فإنه"يُفْسِدُ بذلك الدين والدنيا, فإنه إذا كان رأس الناس من كان فقيراً عائلاً فصار ملكاً على الناس, سواء كان ملكه عاماً أو خاصاً, فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم, بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال."

فقد قال بعض السلف: (لأن تمد يدك إلى تنين فيقضمها خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر) .

وإذا كان مع هذا جاهلاً جافياً فسد بذلك الدين, لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم, بل همته في جباية المال واكتنازه ولا يبالي بما فسد من دين الناس, ولا بمن أضاع من أهل حاجتهم) [9] .

ولا للديمقراطية؛ لأنها تعطى الحصانة البرلمانية لكثير من المجرمين الذين ثبتت عليهم التهم ولكن لا يستطيع أحد محاكمتهم لأن ثلثي أعضاء المجلس على الأقل لم يصوتوا لصالح رفع الحصانة البرلمانية عنهم, وحتى لو رفعت عنهم الحصانة - لأسباب في بطن الحاكم - فإنهم لا يُعامَلون معاملة بقية المتهمين, وإنما تحدد إقامتهم في مستشفى مكيف الهواء أو ما شابه, ويسمح لهم بالخروج لأي أسباب عائلية أو سياسية أو بدعوى الحالة الصحية أو بمقايضة سياسية.

كما حدث مع آصف على زرداري - زوج رئيسة وزراء باكستان السابقة بينظير بوتو - ومعلوم أن وزير الداخلية الباكستاني الحالي آفتاب أحمد شيرباو كان في السجن وقت إجراء الانتخابات الأخيرة في باكستان عام 2002 بتهم تتعلق بالفساد! ووزير الإعلام الباكستاني الحالي شيخ رشيد أحمد مشهور بالفسق والفجور، ولذا يرفض الزواج!

ولا للديمقراطية؛ لأنها تقتل القيم الفاضلة في المجتمع، فالولاءات تباع وتشترى كما تباع أي سلعة, ولذا فإن كل الاقتراعات داخل المجالس تتم بصورة سرية حتى لا تفضح الصفقات التي تمت في الظلام وخلف الكواليس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت