فهرس الكتاب
فأقصى ما يستطيعه المنضوون تحت مظلة الديمقراطية للتعبير عن غضبهم واستنكارهم هو الخروج في مظاهرات منظمة بإذن مسبق من الحكومة وفي المكان الذي تحدده لهم، فيجتمعون ويهتفون ما شاءوا, ويلعنون من أرادوا, ويحرقون الدُّمى, ثم يعودون إلى هدوئهم واستكانتهم بمجرد الخروج من مكان التظاهر, أو انتهاء المهلة المحددة لهم.
وهذا ما أكده قاضي حسين أحمد"أمير الجماعة الإسلامية الباكستانية"في قوله: (قد لا تملك الأحزاب الدينية الباكستانية قوة انتخابية كبيرة, ولكن من حيث تأثيرها في المؤسسات الوطنية المختلفة فتملك خبرة طويلة لممارسة الضغوط الشعبية على الحكومة عبر تنظيم حركات احتجاجية سلمية كبيرة!) .
ولهذا لم يكن مستغرباً ذلك الاستخفاف الذي تكلم به وزير الإعلام الباكستاني شيخ رشيد أحمد عن الأحزاب الإسلامية الباكستانية, والثقة المتناهية في تصريحه بأن الحكومة تعرف كيف تتعامل مع تلك الأحزاب إذا ما خرجت في مظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق, وكيف أنها خرجت في مظاهرات عارمة عند الاجتياح الأمريكي للخليج عام 1991 بدون فائدة.
وهذا ما حدث فعلاً بعد بدء الهجوم الصليبي على العراق؛ حيث خرجت مسيرات ضخمة في جميع المدن الباكستانية الكبرى, ضمت الواحدة منها مئات الآلاف من البشر وكأنه يوم الحشر, ليستمعوا إلى خطب قادة الأحزاب الإسلامية والمعارضة, وادَّعى الخطباء أنهم على استعداد للذهاب إلى العراق للجهاد ضد القوات الأمريكية؛ بينما كانت القوات الأمريكية على بعد خطوات منهم في أكبر القواعد العسكرية الباكستانية تشن حرب إبادة ضد المسلمين في أفغانستان، وكأن الجندي الأمريكي الذي يدَنِّس أرض العراق ويقتل المسلمين هناك غير الجندي الأمريكي الذي يدَنِّس أرض باكستان ويقتل المسلمين فيها وفي أفغانستان؟!
فالمظاهرات السلمية هي الطريقة الوحيدة أمام الديمقراطيين للتعبير عن الرفض والاستنكار خارج قاعات المجلس النيابي.
أما في داخل المجلس فإن عضو المعارضة بين أربع خيارات, وهي بغيضة كلها في الإسلام, ولا تقبلها النفوس الأبية؛ إما أن يكون إمَّعةٌ، وإما أن يكون شيطاناً أخرس، وإما أن يكون عاجزاً، وإما أن يكون ذليلاً.
لأنه إن شارك في الاقتراعات وأمَّن مع المؤمِّنين على الحق والباطل فهو إمَّعة, لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمَّعة يقول إن أحسن الناس أحسنتُ, وإن أساؤوا أسأتُ, ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم) .
وإن اكتفى بالسكوت والامتناع عن التصويت؛ فهو شيطان أخرس، لأنه سكت عن قول الحق.
يقول ابن القيم رحمه الله:(وأي دينٍ, وأي خيرٍ, فيمن يرى محارم الله تُنْتَهك, وحدوده تُضاع, ودينه يُترك, وسنة رسول ا صلى الله عليه وسلم يُرْغَب عنها, وهو بارد القلب ساكت اللسان, شيطان أخرس, كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟!
وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين. وخيارهم المتحزن المتلمظ, ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل, وجد واجتهد, واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة - باليد واللسان والقلب - بحسب وسعه, وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بُلوا في الدنيا بأعظم بَليةٍ تكون وهم لا يشعرون, وهو موت القلوب, فإنَّ القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى, وانتصاره للدين أكمل) [10] .
وإن خرج من القاعة أثناء الاقتراع أو للتعبير عن استيائه, أو حتى استقال من المجلس، فهذه حيلة العاجز.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحقر أحدكم نفسه) ، قالوا: يارسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟! قال: (يرى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟! فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى) [سنن ابن ماجة] .
وإن وقف وحده أو مع جماعته القليلة يتحدى التيار الجارف, ويحمِّل نفسه ما لا يطيق, ويسمع ما لا يحب, يكون قد أذل نفسه.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه) ، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيق) [قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب] .
ولا للديمقراطية؛ لأن داخلها"تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، فلابد من أن يشارك في اللعبة كاملة بكل مرارتها وهي كثير, وحلواها وهي قليل.
فلو صدر قانون بتخصيص مقاعد للنساء في المجالس النيابية, تقوم الأحزاب الإسلامية المشاركة في الديمقراطية بترشيح عدد من نسائها حتى تفوت الفرصة على النساء العلمانيات المواليات للحكومة من دخول المجلس, وفي نفس الوقت إثبات أنها تحترم حقوق المرأة, وتبرئة الساحة من التحجر - كما يروج أعداء الله - وليرى العالم النساء المسلمات متعلمات مثقفات محجبات ونائبات في المجالس النيابية.