فهرس الكتاب

الصفحة 21938 من 27364

التعليق: [أليست هذه نفس فلسفة ونظرة الديمقراطية عندما تتحدث عن مسوغات وجود الأحزاب المعارضة... ثم هي معارضة سياسية أيّاً كان نوعها وانتماؤها، وكانت عقيدتها وهويتها، ولو كانت من قبيل معارضة مسيلمة الكذاب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه... فالمعارضة السياسية ساحتها واسعة، وكلمة مطاطة فهي تسع لجميع الأطراف والاتجاهات، والتيارات!] .

لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها... مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكَم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافساً شريفاً في ظل الدستور والقانون! [44] .

التعليق:[الحكَم العادل الذي يحكم على الأفكار والاتجاهات، والسياسات هو الله تعالى وحده، وليس ضمير الأمة ولا وعي أبنائها...

قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} ، وقال: {إن الحكم إلا لله عليه توكلت} ، وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقال: {له الحكم وإليه ترجعون} ، وقال: {قل أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} .

وفي الحديث، فقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن اللهَ هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ) [45] ، وغيرها كثير من الآيات والنصوص التي تدل على أن الحاكمية لله تعالى وحده، وأن حكمه سبحانه وتعالى هو العدل المطلق، وما سواه فحكمه الباطل ولو اجتمعت عليه كثرة الجماهير...

ثم تأمل هذا التحاكم منهم الشريف، والاحترام الرفيع للدستور والقانون الجاهليين، اللذين يعتبران في دين الله تعالى طاغوت يجب الكفر والبراء منه، كما قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون} .

ونحن هنا لم نرد أن نتوسع في الرد على شبهات ومزالق القوم، وإنما هي كلمات وإشارات سريعة على قدر ما يسمح به المقام، أردنا منها بيان كذب القوم ودجلهم على الناس عندما يقولون: نحن إذ نطالب بالديمقراطية فإننا نطالب بالديمقراطية التي لا تتعارض مع تعاليم الإسلام وأحكامه، ولا تخالفه في شيء!].

ونحو ذلك ما ذُكر على لسان المرشد العام للإخوان المسلمين محمد حامد أبو النصر، عندما وُجه إليه السؤال التالي: البعض يتهم الإخوان بأنهم أعداء للديمقراطية، ويعادون التعدد الحزبي، فما هي وجهة نظركم في هذا الاتهام؟

جواب: الذي يقول ذلك لا يعرف الإخوان إنما يلقي التهم عليهم من بعيد، نحن مع الديمقراطية بكل أبعادها وبمعناها الكامل والشامل، ولا نعترض على تعدد الأحزاب، فالشعب هو الذي يحكم على الأفكار والأشخاص! [46] .

قلت: معاذ الله أن يكون الشعب هو الذي يحكم على دين الله تعالى وشرعه! {والله يحكم لا معقب لحكمه} [الرعد: 41] ، {إن الله يحكم ما يريد} [المائدة: 1] .

وبعد، أتريد أيها القارئ أكثر دلالة من هذا الكلام، بأن القوم عندما يطالبون بالديمقراطية إنما هم يطالبون بها بمفهومها الشامل والكامل لجميع معانيها، وأبعادها الشركية التي تناقض وتضاد دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.

ولولا خشية الإطالة وحدوث السآمة للقارئ لسودنا عشرات الصفحات من أقوال مشايخ الديمقراطية البرلمانيين، التي تدل على أنهم فُتنوا بالديمقراطية - بمعانيها وأبعادها الشركية - وأُشربوا حبها، كما فُتن من قبلهم بنو إسرائيل بالعجل وأُشربوا حبه في قلوبهم!

ومنها - أي من الوجوه التي تمنع استخدام الديمقراطية كمصطلح - أن الديمقراطية لها مدلولها ومفهومها الخاص بها في أذهان الناس، وهو المفهوم الشائع الذي بيناه عند الحديث عن مبادئ وأسس الديمقراطية، وهم عندما يسمعون أحداً - أيّاً كانت هويته وكان اتجاهه - يتكلم عن الديمقراطية، ويدعوا إليها، أو يثني عليها خيراً سرعان ما تذهب أذهانهم إلى الديمقراطية السائدة وكما عرّفها لهم أربابها ومؤسسيها، ولا يخطر على بالهم مطلقاً المعاني الخيرة التي يقصدها المتكلم عندما يتحدث عن الديمقراطية، وبخاصة أن هذه الديمقراطية الخيرة التي لا تخالف شرع الله تعالى ليس لها مثال على أرض الواقع، وهي غير موجودة حتى في عالم الخيالات والنظريات!

لذا فإن الذي يستخدم الديمقراطية عند حديثه عن معانٍ خيرة لا تخالف شرع الله تعالى، فإن حديثه مؤداه - وبخاصة إن كان من الخواص - إلى إضلال الناس وفتنتهم وصدهم عن الحق، مهما كان قصده سليماً وشريفاً... وهذا من الأوجه التي تمنع من استخدام الديمقراطية كمصطلح.

ومنها، أن الشارع قد نهى عن استخدام بعض الكلمات والمصطلحات حمّالة الأوجه، وإن كان ظاهرها لا يحتمل إلا المعنى الخيّر والصحيح، حتى لا يستغلها أصحاب الأهواء لمآربهم الباطنة الخبيثة، فيطلقونها على شيء ظاهره حق، ويريدون بها شيئاً آخر باطنها الإثم والعدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت