فهرس الكتاب

الصفحة 21939 من 27364

مثال ذلك كلمة راعنا حيث كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم (راعنا) ، على قصد الطلب وسؤال المراعاة، أي التفت إلينا وتولنا، وكانت هذه الكلمة عند اليهود - لعنهم الله - مسبةً وطعناً، حيث تعني عندهم الشرير؛ فكلمة راعي تعني في العبرية لغة اليهود الشرير، وراعينو أي شريرنا، فاغتنموها فرصة للنيل من جناب الرسو صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: كنا نسبه سراً فالآن نسبه جهراً، فكانوا يخاطبون بها صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فنهى الله تعالى المؤمنين عن استخدام كلمة"راعنا"حتى لا يستغلها اليهود فيستخدمونها لمقصدهم الفاسد والباطل، وأمرهم أن يستبدلوها بكلمة"انظرنا"حيث لا يمكن استخدامها من قبل أصحاب النفوس المريضة مهما تكلفوا اللي باللسان إلا في الجانب الخيِّر، والمعنى الظاهر الصحيح، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] .

وقال تعالى عن اليهود: {ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا ليَّاً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} [النساء: 46] .

وقال تعالى أيضاً عن اليهود حاكياً حالهم كيف يتلاعبون في الألفاظ والمصطلحات، وكيف يصرفونها عن ظاهرها إلى غير مقاصدها الصحيحة المرادة من الشارع، وكيف أنهم يبدلون الكلم عن مواضعه ومراده ابتغاء الفتنة، والطعن في الدين: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حِطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة: 58 - 59] .

فقوله تعالى: {وقولوا حطة} ، أي قولوا احطط عنا خطايانا، واستغفروا الله، فقالوا بدلاً من ذلك: (حنطة في شعيرة) ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح: (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستهم، وقالوا: حبة في شعيرة) .

وعن عبد الله بن مسعود: {وقولوا حطة} فقالوا: حنطة، حبة حمراء فيها شعيرة.

ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا العنب) ، وقال صلى الله عليه وسلم (ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم) ، فعلل سبب المنع أن الكرم هو الرجل المسلم، خشية أن يأتي منافق مغرض فيشتم الكرم فيظن الناس أنه يشتم شجرة العنب، وهو في الحقيقة يريد شتم المسلمين، وشتم الإسلام بشتم رجاله.

وقال صلى الله عليه وسلم (لا يقل أحكم: أطعم ربك، ووضِّئ ربك، واسق ربك، ولا يقل أحد: ربي - أي لمولاه وسيده - وليقل سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي، وغلامي) .

وقال صلى الله عليه وسلم (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) ،

أي أن الدهر مما قدره الله وأراده أن يكون، وبالتالي كان من شتمه كأنما شتم الله الذي قدره وأجراه...

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا تقولوا للمنافق سيد... ) .

شاهدنا من هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة أن صلى الله عليه وسلم قد نهى المسلمين عن استخدام كلمات وأسماء حمالة أوجه، قد تُستغل استغلالاً سيئاً من قبل أصحاب النفوس المريضة لمقاصدهم الباطلة، فيطلقونها على شيء ويريدون منها شيئاً آخر لا يرتضيه الشارع، ودرءاً لحصول ذلك استبدلها بكلمات وأسماء لا لبس فيها ولا غموض، لا يمكن استخدامها في المعاني الباطلة، أو استغلالها لمقاصدهم الفاسدة...

وإذا كان الأمر بهذه الأهمية وهذا الجد مع كلماتٍ كالكرم، وعبدي، وأمتي، وربي وغيرها... فمن باب أولى أن يأتي النهي عن استخدام كلمات ومصطلحات ظاهرها وباطنها شر محض، تعتبر شارات وعناوين لمذاهب ومناهج كفرية باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، ككلمة الديمقراطية، والاشتراكية، والقومية، والوطنية، والإنسانية وغيرها... التي باتت تُلاك على ألسنة كثير من المثقفين المعاصرين بصيغة الاستشهاد والمدح، من دون أن يجدوا في أنفسهم مثقال ذرة من حرج، أو يتنبهوا إلى درجة مخالفتها لثوابت هذا الدين!

ولا يقال في مثل هذه المواضع لا مشحَّة في الاصطلاح، فمثل هذا الإطلاق له موضعه، ويكون عند استخدام المصطلحات الفقهية الشرعية التي لا تحتمل إلا الحق والصواب، أما الكلمات والمصطلحات حمالة الأوجه، أو التي لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو الخطأ والباطل فالمشحة فيها واردة ومشروعة إن لم تكن واجبة.

ومنها، أن المسلم متميز - بفكره وسلوكه وثقافته ولغته - عن كل ما يمت إلى الجاهلية بصلة، مستعلٍ عليها بإيمانه وإسلامه، فلا يجوز له وهو كذلك أن يلتجئ إلى رطانة العجم ومصطلحاتهم، ويستخدمها في مواضع الاستحسان والمدح وبخاصة إذا كانت هذه المصطلحات تعتبر شارات لمفاهيم وقيم تتعارض مع ما هو معلوم من ديننا بالضرورة كالديمقراطية وغيرها...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت