فهرس الكتاب
وهذا اعتراف واضح بفشل العلمانية في التعايش مع الحضارات المختلفة والثقافات الأخرى. حيث طالما زعم وتباهى دعاة العللمانية بأنها هي النظام الذي في ظله تستطيع أن تتعايش جميع الديانات ويتآلف تحته جميع البشر، ولكن نفس هؤلاء الدعاة يقولون الآن للمسلمين أن من يريد أن يعيش في دولتنا العلمانية فلابد أن يعتنق قيمها ويتبنى عقيدتها السياسية والاجتماعية والثقافية، تماما كما أكره أرباب العلمانية المسلمات على خلع الحجاب في فرنسا.
إن أكذوبة العلمانية تظهر مباشرة عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين، والمعطيات الواقعية تثبت يوماً بعد آخر فشل ذلك الزعم. أفلا يصحو المسلمون بعد كل ذلك ويثوبوا إلى رشدهم ويدركوا أنهم أخف من جناح ذبابة بتبعيتهم المقيتة المذلة للغرب، وأن ملاذهم الوحيد هو تحرير بلادهم من الطغيان والفساد والظلم، وبإعادة تطبيق الإسلام، الذي لا يكره أحدا على اعتناقه بينما يؤمن للجميع الطمأنينة والاستقرار والأمان وهو ما تحقق زهاء ثلاثة عشر قرنا من الزمان، كان أسوأ الأوضاع في أثناء وجود دولة الخلافة خير من أحسن الأوضاع بعد انهيارها. ) نقلا عن الشعب بتاريخ 23\7\2005.
نحن إذن في العلمانية - أمام وحش عقدي ضار لا يسمح بالوجود لغير منهجه في استبعاد الدين أما الديموقراطية كآلية فنعم: لقد كانت قابلة من الناحية النظرية لتكون آلة لغيرها - وهي تترك في هامشها دوما مجالا للاستثناء المحكوم كانت ومازالت وبحسب إرادة السلطات القاهرة - قابلة لكل نظام سياسي بما له من أيديولوجية خاصة، فالديموقراطية التي تخدم الجمهورية الأقلاطونية كانت تستثني العبيد، والديموقراطية التي تخدم الرجل الأبيض تستثني الرجل الأسود، والديموقراطية التي تخدم الدولة الاستعمارية تستثني البلاد المستعمَرة، والديموقراطية التي تخدم النظام النازي تستثني ما عدا العنصر الألماني، والديموقراطية التي تخدم الصهيونية تستثني الفلسطينيين، وهي في النظام الرأسمالي تستثني الشيوعية، وهي في النظام الشيوعي تستثني الرأسمالية،، وهي في النظام الملكي تستثني الدعوة إلى النظام الجمهوري، وهي في النظام الجمهوري تستثني الدعوة إلى النظام الملكي وهي في العلمانية تستثني الإسلامية، وهي في الإسلامية تستني العلمانية، اللهم إلا من هامش"للتنفيس"- في كل ما تقدم - شديد الضآلة متنوع الضعف خاضع موضوعيا أو دستوريا للسيطرة من السلطة الحاكمة، الأمر الذي أحدث نوعا من الارتباك في تشخيصها أحيانا، أو نوعا من التضليل الهادف أحيانا أخرى.
يشهد لهذا المفهوم الرجراج للديموقراطية ما يقوله الأستاذ بيرنارد كريك أستاذ العلوم السياسية بجامعة لندن(لا ريب أن الديموقراطية أكثر كلمة في معجم الشئون العامة تهويشا واختلاطا، إنها معشوقة كل إنسان، ومع ذلك فهي تحتفظ بسحرها.. إننا نحس بالاعتزاز لتكيفها مع جميع الأشكال والظروف واستعدادها لمصاحبة جميع الناس
وما أكثر ما يسمع المرء بعض الناس يقولون"إن الشيوعيين يدعون الديموقراطية أيضا …. وهم ديموقراطيون بالفعل بمعنى أنهم يرون أن توافق الأغلبية على طريقة حكمها بأسلوب شعبي.. )نقلا من كتابه: (السياسة بين أصدقائها وأعدائها"ترجمة خيري حماد نشر القاهرة عام 1963 ص14.
ويقول الأستاذ كريك: (وهناك آخرون يقولون: إن الديموقراطية"تعني حقا"الحرية أو حتى الليبرالية، أو الفردية، وتعني الدفاع عن الفرد الديموقراطي"ضد الأغلبية الديموقراطية، ولقد تحدث مستر بيفن ذات يوم إلى مؤتمر لاتحاد النقابات البريطانية ضد هذا المفهوم فقال:"إن مما يتنافى مع الديموقراطية أن تواصل الأقلية مناقشة القرارات التي اتخذتها الأغلبية"."
وقد استعملها دي توكفيل المؤرخ الفرنسي (1805 1859) كمرادفة للمساواة، واستعملها أندرو كارنيجي (1835- 1919) وهو من رجال الأعمال في أمريكا لتعني مجتمعا ديناميكيا يقوم على المشروعات الحرة مع الاحتفاظ بوجود الفروق الكبرى في المنزلة والثراء.
ومن الممكن أن ينظر إليها في إطار تطورها في الغرب كنظام سياسي يفرض القيود الدستورية حتى على الحكومة الديموقراطية.
كما نظر إليها على أنها"إرادة الشعب"أو"الإرادة العامة"المنتصرة على القيود المصطنعة التي تفرضها النظم الدستورية.
وربما لا تعني الديموقراطية بالنسبة إلى كثيرين أكثر من مجرد عبارة تقول: صوت واحد لرجل واحد وقد يضيف إليها آخرون"عبارة"مع حسن الاختيار""
ولقد ظلت النظرة إليها عند كثيرين إلى عهد قريب على أنها مجرد قضية تتناول حكم وحدات صغيرة، ولقد قال جورج ميسون أحد الزعماء الأمريكيين عند إبرام الدستور الاتحادي لأمريكا عام 1788"لقد برهن التاريخ على أنه يشهد حكومة تتولى الحكم في بلاد فسيحة الأرجاء دون أن تحطم هذه الحكومة حريات الشعب") ولكن التاريخ أثبت كما يقول بيرنارد كريك أن (الحكومات الشعبية لا تستطيع العيش إلا في بلاد صغيرة) ص 67- 69