فهرس الكتاب

الصفحة 22596 من 27364

وبمقتضى مقولة: إن أصل الأموال والخيرات للمسلمين وإنها يجب أن تفيء أو تعود إليهم ، يجوز أو يحل نهب أموال غير المسلمين وسرقتها واغتصابها ومصادرتها، وعلى هذا يمكن لمسلم حاسد طامع ـ مثلاً ـ أن يستولي على بيت فخم جميل لإنسان غير مسلم، وحين يقاضيه صاحب البيت يدعي: أن أصل الملكية له هو لا لصاحب البيت!!.أي تفكير تافه..أي جنون.. أي انحطاط خلقي هذا؟!...ا.هـ ( انظرصـ31ـ32 )

وفي هذا الكلام السابق يتضح منه التهكم بهذا الداعية حين ذكر السبب الذي سُمِّيَ به الفيء بهذا الاسم، ولي معه عدة وقفات:

الوقفة الأولى: أما ما نقله الركابي عن هذا الداعية ، فإنه كلام صحيح لا غبار عليه، وهو عين ما ذكره الفقهاء في كتبهم فهذا الداعية لم يأت بجديد، أو أنه عارض الكتاب والسنة،وما ذكره فهو استنباط من ظاهر الآية وأحاديث المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقد قعّدَ الفقهاء قاعدة فقهية جليلة وذكرها الإمام أبو الحسن الكرخي ـ رحمه الله ـ في أصوله بقوله: (الأصل أنَّ من ساعده الظاهر فالقول قوله والبينة على من يدعي خلاف الظاهر) أصول الكرخي صـ110 بواسطة الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية للشيخ/البورنو صـ180 ، فلا عبرة بقول الركابي ما لم يستدل على نقده بدليل واضح وبرهان قاطع يدفع ذلك الظاهر ويرده.

ولو ذكر الركابي حقيقة أخرى علَّل بها سبب تسمية الفيء بذلك فقد يكون له وجه بالقبول ، إلَّا أنه قد تحمس برد ذلك السبب بكل سخرية وتهكم ، بل بنى على ذلك التعليل أحكاماً ألزم بها مخالفه، لم يقلها ولم تخطر على باله، وسيأتي بيانها ـ إن شاء الله ـ.

الوقفة الثانية: في هذه السطور سأذكر ـ بعون الله ـ شيئاً من كلام الفقهاء الذين سبقوا هذا الداعية بهذا التأصيل والتعليل من مئات السنين وأبين بأنه لم يفتئت على دين الله ـ عز وجل ـ، بل لم يأت بجديد في ذلك إلا أنه قد قال بمثل ما قالوا به، وحيث أنَّ كلامهم في ذلك كثير، وقد يطول ذكره فإني سأقتصر في النقل على كلام لأحد الأئمة المجتهدين ثم أعقبه بالعزو إلى أحد علماء كل مذهب ذكر ذلك ، ذاكراً المرجع ورقم المجلد والصفحة، ومن أراد مراجعة ذلك فليرجع إلى مدوناتهم ، ليتبين للركابي أنَّ هذا القول قال به أئمة المذاهب، وعلماء الإسلام ، ولم يقل به هذا الداعية المسكين فقط!

فلنعط القوس باريها ، ولنخل بين المطي وحاديها، ولنذكر كلام العلماء ورأيهم في الذي اعتبره الركابي (جهالة ـ بل حمق ـ بل جنون) !! والله المستعان.

)أ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ما نصه:

)وسمي الفيء فيئاً ، لأن الله أفاءه على المسلمين ، أي رده عليهم من الكفار؛ فإن الأصل أن الله ـ تعالى ـ ، إنما خلق الأموال إعانة على عبادته ، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها ، وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته، لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ، وأفاء إليهم ما يستحقونه ، كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك) مجموع الفتاوى (28/276)

وهنا ـ تأمل ـ فإن ابن تيمية يعتبر أن الكافر كأنه غصب المال من المسلمين باستشهاده و تشبيهه بما لو غصب من الرجل ميراثه ثم عاد إليه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك.

وقال كذلك ـ يرحمه الله ـ ( وما لم يقاتلوا عليه فهو فيء ،لأن الله أفاءه على المسلمين ، فإنه خلق الخلق لعبادته ، وأحل لهم الطيبات ، ليأكلوا طيباً ، ويعملوا صالحاً ، والكفار عبدوا غيره، فصاروا غير مستحقين للمال، فأباح للمؤمنين أن يعبدوه وأن يسترقوا أنفسهم ، وأن يسترجعوا الأموال منهم ، فإذا أعادها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت ، أي رجعت إلى مستحقيها) مجموع الفتاوى (28/562)

وبمثله قال ابن القيم في عدة الصابرين (صـ312ـ 313) ، ووافقهم الزركشي ـ الحنبلي ـ في شرحه على مختصر الخرقي (4/145) ، والشربيني ـ الشافعي ـ في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (4/145) ، وأبو العباس القرطبي ـ المالكي ـ في المفهم شرح صحيح مسلم (3/557) ،والقاضي ابن العربي ـ المالكي ـ في أحكام القرآن (4/1770) ـ (2/855) ، والقاضي أبو السعود ـ الحنفي ـ في إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (8/227) فليرجع إليها في مواضعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت