فهرس الكتاب

الصفحة 22597 من 27364

وليعلم أن هذا كله في المحاربين من الكفار للمسلمين بأن آذوهم كما آذى بنو النضير محمداً صلى الله عليه وسلم ، فخرج لقتالهم، أومن أرادهم المسلمون بجهاد الطلب ليحرروا الناس من عبودية الطاغوت ويزيلوا العوائق التي تحول بينهم وبين سماع دين الحق ، ويهدوهم إلى عبودية الله ـ عز وجل ـ فلو فر الكفار ولم يقاتلوا المسلمين فإن مالهم يرجع فيئاً للمسلمين، فتأصيل العلماء لهذا المبدأ جارٍ على هذه الأطر والضوابط ، ولهذا ذكر العلماء أنَّ الكافر إذا أسلم فإنَّ تملكه صحيح ولا يجبر بالخروج عنه، و لم يقل أحد منهم بأنه يجوز للمسلم أن يسرق أو ينهب مال الكافر إذا كان ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً، كما فهم ذلك الأستاذ الركابي ـ هداه الله ـ وجعله لازماً ومقتضى لمن يقول بأن الفيء أصله للمسلمين فإذا انتقل من الكفار فقد رجع إلى من يستحقه وهم المسلمون ، وعلى هذا فعندما ذكر الركابي أنه بمقتضى هذا القول (يمكن لمسلم حاسد طامع أن يستولي على بيت فخم جميل لإنسان غير مسلم ، وحين يقاضيه صاحب البيت يدعي أن أصل الملكية له هو لا لصاحب البيت... لأن أصل الأموال والخيرات للمسلمين) فهذا الذي ذكره الركابي هو في الحقيقة فهم ساقط ، وقول لم يقله أحد لا من المتقدمين ولا من المعاصرين ، فهولازم لا يلزم ، وقول يستسفهه من كان قليل العلم والمعرفة فضلاً عن علماء أفذاذ ، فلتتق الله أيها الأستاذ، ولا تلبس الحق بالباطل، وصدق من قال:

وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم

واعلم أنك ستسأل يوم الدين عما كتبت:

فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه

* والآن فقد بان واتضح أن هذا القول الذي قذفه الأستاذ بأبشع الألفاظ وأقذع العبارات؛ هو عين قول الفقهاء المتمكنين ومن مذاهب شتى، ليعلم الجميع أن الأقوال التي رماها الركابي في نقد هذا القول يدل على مقدار عقل صاحبه، وكيف أنه يناقش الكلام السابق ذكره بهذه العقلية المتشنجة ـ ويا للأسف ـ وهذا عين ما ابتلينا به في هذا العصر حيث يطلق كثير من المفكرين الكلام على عواهنه جزافاً بلا تأصيل أو ربط، لأنها فكرة دندنت في رؤوسهم فصبوها في مقالاتهم دون مراجعة لكلام العلماء المتخصصين ولم يلقوا بالاً في خاطرهم ، بأنه قد يعتريها الخطأ والانحراف ، وهذا ما ابتلي به الركابي فأطلق هذه العبارات الشديدة والتي خرجت عن حيز العقلانية (والسلوك المتسامح) و (فتح باب الاحتمالات الحسنة) التي يبني بدعواه مقالاته عليها!

ولو كلف الدكتور نفسه بأن يجهد عينيه قليلاً للجولان بالنظر في بطون الكتب الفقهية لوجد ما يسند قول هذا الداعية ولوجد له سابقاً من مئات السنين.

خاصة أني ومن خلال مطالعتي لكتابات الأستاذ الركابي، وجدت أنه إذا رأى قولاً يراه الصواب فإنه يأتي بما يسند قوله ذاك،من آراء العلماء المتقدمين مثل/ ابن تيمية، وابن المُنَيِّر، والقرافي، وابن كثير، فلم لا يبحث عمن يسند قوله من العلماء السابقين بأن من قال هذا القول فإنه صاحب جهالة وحمق وجنون، ويقيني أنه لن يجد ما يعزز فكرته التي طرحها في مقاله.

فإن زعم الأستاذ بأنه لم يكن يدري بأن العلماء السابقين قالوا بمثل هذا القول الذي نقده أو قريباً منه، فإن هذه رزية ؛ فكيف يتحدث في مسألة شرعية فقهية،ولم يقلب صفحات التراث الفقهي الضخم الذي خلفه لنا علماؤنا.

ورحم الله أبا العباس بن تيمية ـ حين قال ـ ( العلم إما نقل مُصَدَّق،أو استدلال مُحَقَّق، وما سوى ذلك فباطل مزَوَّق) مجموع الفتاوى.

وليت أن الأستاذ الركابي عرض نقده ذاك على بعض الفقهاء المتخصصين،حتى يعلم جرم ما قاله وأن فهمه كان مخالفاً للصواب، ومن جميل كلام ابن المقفع قوله:

)لا ينبغي للمرء أن يعتد بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذووا الألباب ، و لم يجامعوه عليه، فإنه لا يستكمل علم الأشياء بالعقل الفرد) الأدب الصغير (صـ73) .

و يؤسفني ـ والله ـ أن يفحش الأستاذ الركابي بالنقد للكلام السابق بعبارات يظن أنه إذا قالها فسيفرض رأيه بالقوة ، ويقتنع الناس بكلامه ذاك لأنه قول (جنون) ،وأخشى أن يكون الركابي قد أخذ منزع (الإسبارطيين) والذين يحققون أفعالهم وأقوالهم بالقوة والعنف، بغض النظر عن البحث في مسائل الدين ، وعقلانية السلوك والأخلاق!! والله المستعان.

الوقفة الثالثة: وأما عن استدلال الركابي بقوله تعالى: (( كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) ) (الاسراء:20) .

فإنه استدلال في غير موضعه....

نعم ؛ تكفل الله بالرزق والعطاء لكل أحد من بني الإنسان بل حتى الحيوانات تكفل برزقها ـ عز وجل ـ ،ودليله قوله تعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ) (هود:6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت