فهرس الكتاب
3.وسطية الإسلام:
(( ضاع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه ) )هذه عبارة مشهورة تبين خطر البعد عن الوسطية التي هي أبرز سمات الأمة الإسلامية كما قال رب البرية ]وكذلك جعلناكم أمة وسطاً[ الإسلام وسط فلا إفراط ولا تفريط .
وسط فلا طغيان ولا نقصان .
وسط فلا تشدد ولا ترخص .
وسط بين رعاية حقوق الفرد على حساب الجماعة ، أو العناية بمصالح الجماعة على حساب الفرد .
وسط بين العقلانية الملحدة التي لا تؤمن بغيب ، وبين الغيبية المفرطة التي تؤمن بالخرافة وهكذا .
الوسطية تعني العدل فلا يظلم جانب على حساب جانب آخر ، والوسطية تعني التوازن فلا يختل أمر على حساب آخر .
والإسلام وسط بين اليهود الذين عرفوا الحق وجحدوه ، والنصارى الذين ضلوا عن الحق ولم يعرفوه ، لأن المسلمين عرفوا الحق فاتبعوه .
والإسلام وسط بين اليهود الذين قتلوا الأنبياء ، والنصارى الذين ألَّهوهم ، لأن المسلمين وقروا الرسل ولم يعبدوهم .
والإسلام وسط بين اليهود الذين أسرفوا في التحريم ، والنصارى الذين أسرفوا في الإباحة ، والمسلمون اتبعوا الشرع الإلهي الحكيم الذي بعث الله به الرسو صلى الله عليه وسلم ]يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف [157] .
وسطية الإسلام تعني بعمارة الدنيا لخدمة الآخرة ]ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [ البقرة [201] ]وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا [ القصص [77] .
وهكذا وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي عندما قال: (( إن لبدنك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك(ضيفك) عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه ))أخرجه البخاري في كتاب الصوم ، باب من أقسم على أخيه يفطر في التطوع (الفتح 4/246) .
4.صلاحية الإسلام:
لابد للداعية أن يفهم هذه الحقيقة فهماً واعياً ، يستطيع معه أن يشيع هذه الحقيقة بين الناس فيجتهد في إبراز محاسن الإسلام وإثبات صلاحيته بالأدلة الشرعية ، والشهادات الواقعية .
فالإسلام حرم الربا كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء ولكي لا يزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً ، مما يكرس الطبقية ويزرع في النفوس بذور الشحناء والبغضاء .
والإسلام يحرم الزنا ويمنع من دواعيه فيحفظ المجتمع من ويلات الإباحية من ضياع الأنساب ، وشيوع الأمراض ، وانتشار الجرائم ، وشهادة واقع المجتمعات الغربية تشهد بذلك .
والإسلام يقيم الحكم المستمد من شرع الله ، المعتمد على الشورى ، القائم على العدل ، المستهدف سياسة الدنيا وصيانة الدين .
وهكذا في جوانب الحياة كلها ينبغي إدراك هذه الحقيقة وبيان الوجه المشرق للحياة في ظلال الإسلام ، وأنها (( حياة لا شرك فيها ولا وثنية بل فيها التوحيد الخالص والعبادة لله الذي تعنو له الوجوه .
حياة لا ظلم فيها ولا استبداد ، بل فيها حق وعدالة وحرية وإخاء .
حياة لا جهل فيها ولا أمية ، بل فيها علم ومعرفة وحكمة .
حياة لا رفث فيها ولا فسوق ، ولكن فيها طهارة ونظافة وعفاف .
حياة لا حسد فيها ولا حقد ، بل فيها محبة وتعاون ، وتآزر وتناصر .
حياة لا سرف فيها ولا ترف ، بل فيها بذل وكرم وإيثار .
حياة لا خمر فيها ولا قمار ، بل فيها كدح وعمل وطلب لما أحل الله (إسلامنا(ص:10-11) .
المبحث الثاني: مفهوم الدعوة:
مفاهيم الدعوة التي لا بد للداعية من استيعابها كثيرة ، وهي مفاهيم في غاية الأهمية والتأثير على تصرف الداعية وممارساته ، وارتباطه بالدعوة وإخلاصه لها ، واهتمامه بها ، واستمراره فيها ، وهذه خلاصة في أهم المفاهيم المتصلة بالدعوة:
1.مفهوم الحكم والحاجة:
1. (( إن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم ) )، لكنها فرض على الكفاية ، (( وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره ، فما قام به غيره سقط عنه ، وما عجز لم يطلب به ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (15/166) ، وينبغي أن لا نفهم فرض الكفاية فهماً يدعوا إلى التقاعس أو التكاسل ، فالكفاية تحتاج أن نفهمها فهماً صحيحاً وذلك من جانبين:
الأول: فرض الكفاية يصح (( أن يقال إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة ، فهم مطلوبون بسدها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها ، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين ، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر ، وإجباره على القيام بها ) )الموفقات (1/114) ، وهكذا ففرض الكفاية يعم ويشمل ، ويتقسط ويتنزل حتى لا يكاد يبقي مسلم إلا وعليه ما يجب عليه بعينه من أمر الدعوة أو لواحقها وتوابعها .