فهرس الكتاب

الصفحة 22791 من 27364

الثاني: حقيقة الكفاية على وجهها الشرعي غير متصَّور وجودها في الزمن المعاصر الذي كثرت فيه الفتن ، وعظم الانحراف ، واشتدت ضراوة الحرب على دين الله من أعدائه ، واستحكمت الجهالة به من أبنائه ، واتسع الخرق على الواقع ، هذا مع ما هو معلوم من أحوال بلاد المسلمين المغتصبة ، وأعراضهم المنتهكة ، وأموالهم المنتهبة دون أن يكون في مجموع الأمة من يرد هذا العدوان ويدفع عن إخوة العقيدة والإيمان ، فيبقى الأمر حينئذ ظاهر الوجوب شديد الحاجة .

2.الحاجة إلى الدعوة ملحة وشديدة بسبب تردي الأحوال في بلاد المسلمين أفراداً وجماعات وشعوباً وحكومات ، إذ أن أعداءهم حرصوا (( على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية بمظهرها الفاسدة وجراثيمها القتالة جميع البلاد الإسلامية ) )مجموعة الرسائل للبنا (ص:220) ، (( ومن الحق أن نعترف بأن موجة قوية جارفة وتياراً شديداً دفاقاً قد طغى على العقول والأفكار في غفلة من الزمن ، وفي غرور من أمم الإسلام وانغماس منهم في الترف والنعيم ، فقامت مبادئ ودعوات ، وظهرت نظم وفلسفات ، وتأسست حضارات ومدنيات ، ونافست هذه كلها فكرة الإسلام في نفوس أبنائها، وغزت أممه في عقر دارها ، وأحاطت بهم من كل مكان ، ودخلت عليهم بلدانهم وبيوتهم ومخادعهم ، بل احتلت قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم ) )مجموعة الرسائل للبنا (ص:306) .

ونظراً (( لانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان ، وغير ذلك من الدعوات المضللة ، نظراً إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً وواجباً على جميع العلماء ، وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام ، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة وبكل وسيلة استطاعوا ، أن لا يتقاعسوا عن ذلك ، أو يتكلوا على زيد وعمرو ، فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم ) )وجوب الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة (ص:20-21) .

فليست الدعوة إذن حاجة عارضة ، أو مطلباً محدوداً بل هي أعلى وأسمى وأعظم أهمية من التصورات الساذجة والأفهام القاصرة ، وليس تركها والتخلي عنها أمراً هيناً بل (( ترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد ، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (28/188) ، وتصور حال الأمة إذا تخلت الجيوش المدافعة عنها عن مهمتها .

هذا الفهم مهم جداً (( فإنه بقدر إيمان الداعية بدعوته ، وتفهمه لضرورتها وحاجة الناس إليها ينجح في دعوته ، وبقدر ضعف هذا الإيمان ، والنظر إليها بأنها مهمة ثانوية يتهاون فيها ، ويتكل فيها على غيره ، ويتعثر في طريقه ويعطيها من فضل وقته ) )المدخل إلى علم الدعوة (ص:155) .

2.لوازم الدعوة: مستلزمات حمل الدعوة كثيرة ومنها:

1.فهم حقيقة الواقع المعاصر:

في الواقع المعاصر هجوم سافر، وعداء ظاهر، وتخطيط ماكر، ضد الإسلام والمسلمين ، وهناك وسائل عديدة تستخدم لإضعاف المسلمين واستمرار بعدهم عن أسباب القوة المادية .

هناك وسائل الإعلام وما يبث فيها (( من تمثيل الأخلاق السافلة ، والمرائي الفاتنة ، والصور الخليعة ، وشبه العاريات ، والخطب الهدامة ، والمقالات الكفرية ، والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم ، والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم ، والمقتضية لاحتقارهم ، والإعراض عن سيرتهم ، وبيان طرق المكر والاحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس ) )مجموع فتاوى ابن باز (3/228) ونحو ذلك من العظائم والدواهي .

وهناك الآن البث المباشر الذي ينقل لنا عبر الفضاء الفضائح والفظائع وما يندى له الجبين من عري كامل ، وخلق سافل ، وفكر خبيث .

وهناك الغزو الفكري (( وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها ... وهذا الغزو يقع بواسطة المناهج الدراسية والثقافة العامة ووسائل الإعلام والمؤلفات الصغيرة والكبيرة وغير ذلك ) )مجموع فتاوى ابن باز (3/438) .

كل ذلك يصب على المسلمين ليخرجوا عن دينهم ، ويخرجوا من طاعة ربهم ، ومع ذلك نرى من يخدرهم ليألفوا ، ويخدعهم ليقبلوا ، ويدلس عليهم ليقتنعوا وينطلقوا غير شاعرين بإثم ، ولا مدركين لخطورة ، وهذا مكر اعظم وأخطر حيث (( نرى شياطين الإنس والجن يسمون الفساد إصلاحاً ، والمؤامرات والفتن ونقض العهود تحرراً ، وخيانة الله بنبذ ملة إبراهيم وطنية ، وارتكاب الفواحش مدنية ، والدياثة والقوادة حضارة وتطوراً، واطراح الدين ونبذ القرآن رقياً ومسايرة للزمن ) )صفوة الآثار والمفاهيم (1/30) ، فهم ذلك كله وتصوره يجعل الداعية مدركاً لعظمة مهمته، وأهمية دعوته.

2.التفاعل مع الدعوة:

إن إدراك حكم الدعوة والحاجة إليها ، ومعرفة الواقع ينتج عنه أمران مهمان:-

الأول: الحماسة والقوة في حمل الدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت