فهرس الكتاب
(( إن الداعية يجب أن يشعر بأن دعوته حية في أعصابه ، متوهجة في ضميره ، تصيح في دمائه فتُعجله عن الراحة(الدعة) إلى الحركة والعمل ، وتشغله بها في نفسه وولده وماله ، وهذا هو الداعية الصادق الذي تحس إيمانه بدعوته في النظرة والحركة والإشارة ، وفي السمة التي تختلط بماء وجهه ))تذكرة الدعاة للخولي (ص:34) .
ويتذكر الداعية عظمة الأمانة في حمل الرسالة ]إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً [ الأحزاب [72] ، وما تقوم الدعوات ولا تبلغ الرسالات بالضعف والتباطؤ فقد خاطب الله يحي عليه السلام فقال ]يا يحي خذ الكتاب بقوة [ مريم [12] ، و المصطفى صلى الله عليه وسلم خاطبه مولاه بقوله]إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً [ المزمل [5] .
إن الدعوة ليست خطباً تلقي ، ولا مقالات تدبج ، ولا كتباً تؤلف ، إنها قبل ذلك همٌٌّ يؤرق وحماسة تدفع ، وهمة ترفع ، ووقود محرك لا ينفذ .
إنها جدٌّ لا يجتمع معه كسل كما أبى ذلك الداعية الحر عطاء بن أبي رباح حين قال: (( لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى فيه وسادة لأنها تدعو إلى النوم ) )البداية والنهاية (9/308) .
إنها سفر نحو آفاق أرقى وأعلى ، وعمل وبذل طموحه أفضل وأسمى ، فالدعاة الحقيقيون (( مذ تيقظوا ما نالوا ، ومذ سلكوا ما وقفوا ، فهمُّهم صعود وترقٍّ ، كلما عبروا مقاماً إلى مقام رأو نقص ما هم فيه فاستغفروا ) )صيد الخاطر (ص:355) ، وذلك لعلمهم أن (( الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه وتعالى ليست مما يقطع بالأقدام ، وإنما يقطع بالقلوب ) )صيد الخاطر (ص:355) .
إنها نفوس خالصها شعور بالمسئولية وجسامتها ، والمهمة وضخامتها ، فأبت على الأجساد أن تخلد إلى راحة ، وإلى النفوس أن تسكن إلى لهو ، ولله در ابن الخطاب عندما جاءه معاوية بن خديج مبعوثاً من عمرو بن العاص بخبر فتح الإسكندرية فقدم المدينة في الظهيرة ومكث في المسجد فرأته جارية لعمر ، ثم جاءته فقالت: أجب أمير المؤمنين ، فلما دخل وأكل قال له عمر: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد ، قال: قلت: إن أمير المؤمنين قائل ، قال عمر: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت لئن نمت النهار لأضيعن الرعية ، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية (الزهد لابن حنبل(ص:152) . تلك رعية عمر ما تركت له ليلاً ولا نهاراً (( والداعية مسئول عن رعيته ، فإذا غاب عنها فقد تخلى عن واجبه وعرض أمته لعبث المبطلين وغواية الشياطين ) )تذكرة الدعاة (ص:210) .
لذا على الداعية أن يحمل الدعوة (( بهمة عالية وعزم قوي لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى الشر إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش ) )صفوة الآثار والمفاهيم (1/72) .
الثاني: التصدي والمواجهة:
ما دام قد أدرك الداعية واقعه ، وحمل دعوته بقوة ، واندفع إليها بحماسة فإنه لا بد أن يتصدى لأعداء دعوته ، وأن يواجه المتربصين بها الدوائر ، وأن لا يترك لهم ميداناً إلا نازلهم فيه ، ولا وسيلة إلا نافسهم عليها ، ولا بلداً إلا وجابههم فيها ، لقد تفنن الأعداء في حرب الإسلام والدعوة واعتمدوا (( سياسة محاربة المساجد بالمراقص ، ومحاربة الزوجات بالمومسات ، ومحاربة العقائد بأستاذة حرية الفكر ، ومحارة فنون القوة بفنون اللذة ) )من وحي القلم للرافعي ، نقلاً عن المنطلق (ص:54) ، لذا يلزم الدعاة أن يدركوا أنه لا بد لهم في مواجهة تلك التيارات من محاربة علمية دقيقة شاملة لأن التيارات غزت الأدمغة باسم العلم والفن فمقابلتها بغيره شطط لا يجدي نفعاً ، فلا بد من تكريس جهودهم لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة ، ونقدها نقداً مفنداً دامغاً ، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها ، فيقابلوا المدرسة بالمدرسة والجامعة بجامعة ، ودور التربية والحضانة بمثلها ، والمعاهد والمجامع العلمية المادية بما يقابلها من المعاهد الإسلامية ، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها ، ويقابلوا النوادي الثقافية الناشفة من الدين بنواد أخرى مشبعة بروح الدين ، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضها أو أكثرها لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية وتروج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن ، ويقابلوا الصحف المادية والمغرضة بصحف دينية فيها تركيز العقيدة وفضح الباطل ، وإظهار عورات أهله ، ويقابلوا الإذاعات المغرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات وأشرطة الأفلام وغيرها بإذاعات ووسائل إعلامية أخرى توجه الناس إلى الحق ، وتضبط عقولهم وأوقاتهم وتحفظها من سرقة شياطين الإنس والجن واختطافها ، وهكذا فليقابلوا كل وسيلة هدمٍ بوسيلة بناء (صفوة الآثار والمفاهيم(1/145-146) .
ج- التعاون على الدعوة: