فهرس الكتاب

الصفحة 22793 من 27364

يقول الله تعالى ]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [ المائدة [2] ، ومن مستلزمات الإسلام التعاون مه أهل الإيمان ، ومن فهم ما أسلفناه من كيد الأعداء أدرك أن التعاون أمر لا بد منه في مجال الدعوة .

ولمزيد من لإيضاح أشير إلى عدد من المفاهيم التي تزيد القناعة بالتعاون وتبين الخسارة في تركه .

أولاً: تعدد المجالات

إن الدعوة ليست محصورة في مجال معين أو وسيلة واحدة بل هي ميدان رحب ، ووسائل شتى ، وذلك يعني أنه لا بد من بذل جهود عظيمة ولا بد من إدراك أن الداعية مهما تعددت مواهبه فإنها تقصر عن الإبداع والإتقان في كل مجال ، فهناك من يستطيع الخطابة ويجيدها ، وهناك من يحسن التأليف ويتقنه ، وهناك من ينشر العلم ويدرسه ،وثمة من يعرف العمل السياسي ، وآخر يبدع في العمل الخيري ، وهكذا ولا يتصور أن تغطى هذه المجالات إلا باستفراغ كل داعية جهده في مجال إتقانه ليحصل التكامل ، ورحم الله الإمام مالك أمام دار الهجرة الذي نصب نفسه في ميدان من أعظم ميادين الدعوة وهو نشر العلم الشرعي فكتب إليه من يدعوه إلى غير ذلك فقال: (( إن الله قسم العمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الجهاد ، فنشر العلم من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح الله لي فيه ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر ) )نزهة الفضلاء (2/625) .

ثانياً: قلة الإمكانيات

لا يشك أحد أن الأمة الإسلامية تعاني اليوم من قلة الدعاة وكثرة المنكرات ، وغلبة الجهل مما تحتاج معه إلى جهود ضخمة لإصلاح الأحوال وليس هناك الإمكانيات اللازمة الكافية لهذه الحاجات ، وإذاً فلا بد من التعاون لاستثمار هذه الإمكانيات بأقصى ما يمكن ، والإفادة من التجارب ، وتبادل الخبرات وما لم تكن نفسية التعاون موجودة فإن كثيراً من الخير يفوت .

ثالثاً: خذلان الأعداء

أعداء الإسلام من قديم الزمان كان من أعظم مقاصدهم بث أسباب الشقاق ، وزرع بذور النزاع بين المسلمين عموماً ، وأعيانهم من العلماء والدعاة خصوصاً ، وهذا يحقق لهم من الأهداف والغايات ما لا يستطيعون بلوغه بجهدهم وكيدهم ، ذلك أن الهدم من الداخل أشد فتكاً وأعظم ضرراً ، ولذا كان خطر المنافقين أكبر وأظهر ، وإن عدم إدراك هذه الحقيقة يجعل الداعية يخالف إخوانه من الدعاة لأي أمر عارض ، أو خلاف في أمر مما يسوغ فيه الخلاف ، أو تحمساً لفعل لم ير غيره أنه يناسب في هذا الوقت ونحو ذلك ، فيسعى حينئذ إلى مواجهة إخوانه الدعاة بدلاً من أعداء الله ، ويتفرغ لتسقط أخطائهم ، وتتبع عثراتهم ، فيفرح بذلك أعداء الله بل إنهم يسعون لذلك ويثيرونه ، فعلى الداعية الحصيف أن يفوت عليهم الفرصة وأن يخذلهم باتباع الحق ، وفهم حقيقة الاختلاف المبني على الاجتهاد وإحسان الظن بإخوانه ، والتماس العذر لهم ، والحرص على حماية أعراضهم ، وسمعتهم ، والحرص على التعاون ، وإشاعة الخير ، وله في ذلك نماذج من الأئمة والعلماء ، فهذا الإمام أحمد بن حنبل جاء في سيرته أنه إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد وقيام بحق واتباع لأمر سأل عنه ، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة ، وأحب أن يعرف أحواله .

وهذا الشافعي يناظر يونساً الصدفي فيختلفان ويفترقان ، قال يونس: فلقيني (أي الشافعي) فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة (نزهة الفضلاء(2/734) .

وهذا ابن المبارك سمع رجلاً ينال من آخر وينتقده فقال له ابن المبارك: هل قاتلت الترك ؟قال: لا، قال:فهل قاتلت الفرس؟قال:لا، قال:فهل قاتلت الديلم؟ قال:لا ، قال:أفيسلم منك الترك والفرس والديلم ولا يسلم منك أخوك المسلم ؟

إذا ما بدت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذراً

أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كأن به عن كل فاحشة وقراً

سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ولا مانع خيراً ولا قائلٌ هجراً

إن في أعدائنا كفاية لاستنفاذ جهودنا في حربهم ، ومواجهتهم فكيف نغفل عن هذا ونوجه سهامنا لبعضنا .

ولم أرَفى الخطوب أشد هولاً وأصعب من معاداة الرجال

وبعض المنتسبين إلى الدعوة إذا تعامل مع الدعاة كان فظاً غليظاً ، ومخالفاً عنيداً ، وإذا تعامل مع العصاة كان ليناً رفيقاً ، ومؤلفاً رقيقاً .

ومن أسباب امتناع التعاون وحصول ما يضاده ضعف الفقه لموضوع الاختلاف وما يسوغ منه وما لا يسوغ ، وما ينكر وما لا ينكر ، وما يسع المختلفين أن يتعاونوا وإن لم يتفقوا عليه وما لا يسعهم معه التعاون ولذا لا بد من العناية بهذا الجانب وفهمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت