فهرس الكتاب
الحالي، وأن السبب يرجع إلى اختفائها من نفوس كثير منا، فهي بعيدة عن تفكيرنا، وآمالنا ومطالبنا، فكأن لا أحد يهتم بزراعة بذورها، أي كأنها شعبيا مفروضة، وهذا هو السبب الرئيسي في أننا لا نشاهد ثمارها، وإصلاح هذا الواقع يتطلب أولا إصلاح ما بنفوسنا من أماني وأهداف وليكن التعاون العربي هدفاً أساسياً، ونستطيع أن نقول إنه نادراً ما سمعنا خلال العشرين سنة الماضية حديثاً جاداً في هذا الموضوع، فالجهل بأهمية التعاون مرض شعبي قبل أن يكون مرضاً حكومياً ونثر أشواك اليأس والسخرية من الداعين إليه يجعلك تظن في أحسن الأحوال أن ما تدعو إليه قضية هامشية لا أهمية لها في الدين، أو السياسة، أو الاقتصاد، والمفروض أن تأخذ هذه القضية اهتماما لا يقل عن اهتمامنا بالحفاظ على ديننا، ونشره، وعلى الديمقراطية (الشورى) وتطبيقها، ولعل من أهم معوقات التعاون العربي هو في نظرتنا الشعبية إليه لأنها نظرة أنانية تريد أن تأخذ ولا تعطي، وما دام الأغلبية يريدون أن يأخذوا، وقلة تريد أن تعطي فلا شك أنه لن تكون هناك ثمار كثيرة، وسيبقى التعاون وفوائده حلماً وسراباً ولكن لو حدث العكس فقمنا نحن بالعطاء والمساعدة، وفعل الآخرون ذلك لكثرت الثمار، وتنوعت، واستفاد الجميع، فعلينا أن نتعب ونزرع ونضحي ونصبر وبالتأكيد سنحصد، وهذا ما يفعله الفلاح في أرضه، والموظف في الشركة الناجحة، فإذا فتحت دولة أبوابها للأموال العربية، وشجعتها وساندتها علميا وإداريا وماليا، فإن ثمار النجاح والحصاد ستكون من نصيبها، وسيجد المستثمرون من أهل هذه الدولة فرصاً استثمارية مستقبلية في دول عربية أخرى، لأن المعاملة بالمثل ستفرض نفسها مع مرور السنين إذا تشابكت المصالح وسيجد العمال في هذه الدولة أو تلك فرص عمل كثيرة وسيتم تحقيق إنجازات عقارية وسياحية وصناعية وخدمية ... الخ. ونحن لا ندعو إل تعاون عاطفي وخيالي، ولا نطالب بالمستحيل، وندرك وجود صعوبات عديدة ومختلفة، ولكننا ندرك أن للصعوبات حلولا، وأن هدفنا في التعاون يجعلنا نأخذ المبادرة في تذليل كثير من الصعوبات حتى لوتقاعس الآخرون، ولنثق بأنه كلما زاد الإيمان في قلوبنا، والعلم في عقولنا شعرنا بأن كل فرد عربي هو مواطن، وكل شركة عربية هي شركة وطنية، وأن كل استثمار في أرض عربية أو إسلامية هو استثمار في وطننا، وهذا لن يتحقق من خلال طريق مفروش بالزهور، فهناك كثير من الأشواك علينا أن نسير عليها، ونتحمل آلامها، وننبه من يسيرون خلفنا على وجودها حتى يتجنبوها، وسأعطي مثالاً صغيراً تحقق فيه نجاح كبير، فقد كانت مميزات تركيا السياحية مجهولة، وأخذ بعض الشباب الخليجي المبادرة و"اكتشفوا"هذه الدولة سياحيا، وشجعوا السياح الخليجيين على زيارتها فازداد عددهم وتجاوبت الحكومة التركية بقيادة تورغوت أوزال رحمه الله فألغت تأشيرات الدخول (الفيزا) وشجعت توفير الشقق المفروشة، فازداد عدد السياح بدرجة كبيرة، وأقيمت علاقات تجارية وثقافية كبيرة، وقامت صداقات بين العرب والأتراك. فمن الإخلاص للدين والأوطان أن يتوجه السياح العرب إلى الدول العربية والإسلامية خاصة وأن بعضها لديها مؤهلات سياحية ممتازة.. ونتمنى أن يقوم التجار والعلماء والسياسيون والطلاب والمدرسون... الخ بأخذ المبادرة في التعاون التجاري والصناعي والعلمي والسياسي والتربوي والسياحي... الخ فلنبدأ من حيث انتهى اخواننا فلا نكرر نفس الأبحاث والدراسات، ولا نكرر نفس الأخطاء التجارية والعقارية، بل نزيد نجاحهم نجاحاً، وننقل إليهم تجاربنا الناجحة، فنحن أسرة واحدة، فنجاح أخيك هو نجاح لك ولأبنائك.
وقد يقول قائل: لماذا التعاون العربي، فكثير من مصائبنا مصدرها عربي، فهناك الغرور والطمع والحسد والتآمر، ونقول قد يكون كثير مما تقول صحيحاً ولكن أيضاً كثير من مصائبنا مصدرها أجنبي وكثير منها مصدرها وطني فهل نكفر بناء على ذلك بالتعاون الوطني ونمزق أوطاننا، أو ننعزل عن العالم ودوله؟ ولندرك أن تمزيق الأمة هو تمزيق للوطن، وهو ليس حلاً لأمراضها، بل هو يزيد أمراضها، ويضعف أوطاننا، ويجعل كل وطن منا فريسة سهلة للأعداء الداخليين والخارجيين، وعلينا أن نعرف أن الأخيار والأشرار موجودون في أوطاننا، كما هم موجودون في أمتنا، ومن