فهرس الكتاب

الصفحة 22965 من 27364

ليس ثمة شك في أن حركة تحرير المرأة بمصر قد نجحت نجاحاً باهراً في ضوء الأهداف المتوخاة منها، بل حققت هذه الدعوة المضللة أعظم ما كانت تهدف إليه في مدة وجيزة، وبسهولة غير متوقعة؛ نظراً لسياسة تكسير الموجة، واتباع سياسة (بطيء ولكنه أكيد المفعول) وتفادي التصادم المباشر مع الإسلاميين الذين يمثلون الغالبية العظمى في المجتمع المصري، واستدراج بعض المشايخ المعمَّمين والعلماء ليكونوا في بداية الزحف... إلخ وسائلهم وخططهم (3) .

وليس غريباً أن ننظر ـ نحن الإسلاميين ـ إلى هذه النتائج على أنها حقوق سُلِبَتْها المرأة، ووسائل شقاءٍ جُرّت إليها (4) .

بينما يراها السفوريون التحرريون نتائج متقدمة في طريق الإصلاح، وتعزيزاً للدفاع عن حقوق المرأة، بل إن اتساع امتياز النساء من أهم الأبعاد الحضارية التي يمكن أن تقاس وتصنَّف المجتمعات والشعوب من خلاله، كما ذكر ذلك الكاتب الفرنسي روجيه جارودي في كتابه:"تتم التطورات الاجتماعية وتبدلات الزمن وفقاً لتقدم النساء نحو الحرية. إن اتساع امتيازات النساء يشكل الأساس العام لجميع التطورات الاجتماعية" (5) .

ويمكن أن نلخص نتائج هذه الحركة في النقاط الآتية:

أولاً: إيجاد القابلية وتهيئة الجو أمام الغزو الثقافي الغربي. ونقصد بالغزو الفكري والثقافي: (الاستلاب الحضاري، وأشكال التفسخ الأخلاقي، مع التهاون بالواجبات والرقة في الدين، فأوجدت جهود دعوة تحرير المرأة عبر منابرها الإعلامية ووسائلها الفعالة التي طالت الريف المصري ـ وهو يشكل معظم مصر(6) ـ، أوجدت لدى الناس شروط الهزيمة والانكسار، مع تغيب دور الإسلام الفاعل وتجريد تيار دعاة الفضيلة والحجاب من الإمكانات فاخترق الفكر الأجنبي والعدوّ الحاقد الصفوف، ليفتك كيف شاء، دون وجود مقاومة وحصانة قوية تذكر، وفعلت جهود أكثر من مائة عام فعلها في الناس"فالمسألة لم تكن قاصرة على تحرير المرأة كما يتوهم المتوهمون، وإنما كانت إرادة التغيير الجذري والشمولي باقتلاع المجتمع من جذوره" (7) .

ثانياً: قبول المجتمع وإذعانه للتعليم المختلط، وقد كان السَّبْقُ في ذلك على يد مَن يسمُّونه: أستاذ الجيل!! (لطفي السيد) ، فهو أول من أدخل الطالبات في قسم الطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية يسانده في ذلك طه حسين وكامل مرسي، وتحت الضغط الخارجي رضيت وزارة المعارف بالأمر الواقع واعتبار هذا من حقوق الفتيات (8) .

قالت التحررية درية شفيق (9) :"في سنة 1932م ظهرت صورة للدكتور طه حسين بك في نادي الجامعة وعلى يمينه ويساره الطلبة والطالبات جلوساً يتساءلون ويتناولون الشاي، وقامت القيامة لهذه الصورة البريئة التي تضرب المثل للأبوة في وجود العميد والإخوة في جلسة الطلبة والطالبات، واتُّخذت الصورة تكأةً يتخلص بها الرجعيون من (طه حسين) و (لطفي السيد) ، ووقف الرجعيون في مجلس النواب يحملون على الجامعة ورجالها وفكرة تعليم البنات فيها، ويرون ذلك فضيحة من الفضائح يجب أن تحول دونها الحكومة" (10) (11) .

ثالثاً: إخضاع الثوابت من الدين والمسلَّمات من الأحكام الشرعية لاجتهاد العلماء وتناول الباحثين ومناقشة الجاهلين والمبطلين، فاستغلها السفوريون وميَّعوها، ولبّسوا على العامة والدهماء وجه الحق فيها.

فالأمر الرباني بغضّ البصر عن العورات، وهو أمر من الواجبات الشرعية والعدالة والنزاهة، هذا الأمر صوَّروه بأنه عدم ثقة في النفس، ومن مخلّفات القرون الوسطى المظلمة التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها دون الرجل فتخفي بصرها!! (12) .

وقوامة الأب والزوج التي اشترطها الشرع لصحة بعض عقود المرأة وتصرفاتها اعتبروها ممارسات تعكس اضطهاد المرأة وظلمها، وتجسِّدُ ارتهانها لأبيها وأخيها أو زوجها، وهي ظاهرة استغلال الجهات الأقوى اقتصادياً لامتلاك يمين المرأة، وإخضاعها لعملية القهر التاريخية (13) (14) .

وقاعدة قرار المرأة في بيتها وأنها الأصل نوزعت، وجُعِل الأصل هو العمل دون شروط أو قيود أو ضوابط (15) .

وسفرها دون محرم لبلاد الكفر ألبسوه لباس الابتعاث وطلب العلم والدراسة، وصار من المفاخر الاجتماعية وسمات الأسر المتحضرة والطبقات الراقية.

وإبداء الزينة للرجال الأجانب ـ الذي هو كسابقه محرّم ومعصية ـ صار عند دعاة التحرر من تمام الرشاقة والجاذبية لفتى الأحلام وشريك المستقبل!! (16) .

ووجوب نسبة الابن لأبيه وحرمة انتسابه لغيره لم تعد موافقة لروح التقدم والفرنجة، فغيَّرن أسماءهن وانتسبن لأزواجهن فصرن: هدى شعراوي بدلاً من هدى بنت محمد سلطان باشا، وصفية زغلول بدلاً من صفية محمد فهمي... إلخ.

أما البيت فهو السجن ودكتاتورية الرجل، وشل للمجتمع عن الحركة، وأما الحجاب فهو كفن من اختراع المتشددات المتطرفات وعادات القرون البدائية، ثم تأتي (سيزا نبراوي) سكرتيرة هدى شعراوي، فتتزوج من الفنان مصطفى نجيب، بشرط نقل العصمة إليها، وكتب لها المأذون بذلك في العقد، ونُشِرَ للناس (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت