فهرس الكتاب
)إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:23)
و هكذا نرى أن الشريعة الإسلامية كرمت المرأة و صانتها وحفظتها من كل سوء قد ينالها, و لكن لو انقلبت الموازين ، و ارتكبت المحاذير , فلابد من عقاب يرد عليها إذا انتهكت حدود الله ، فتطبق عليها الحدود كالرجل سواء بسواء ، و إن كانت هناك ضوابط شرعية خاصة في تطبيق حدود الله ، فذلك لاختلاف طبيعتها وتكريم الإسلام لها حفاظا على سترتها و حشمتها22.
5.المساواة في الأحكام مع مراعاة الضوابط الشرعية:
فالأصل مساواة المرأة للرجل في الأحكام الشرعية ذلك أن مناط التكليف بأحكام الشريعة الإسلامية كون الإنسان بالغا عاقلا.
روى ابن خزيمة: عن أبي ظبيان عن بن عباس , قال: ثم مر علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت ، فأمر عمر برجمها ، فرجعها علي ، و قال لعمر: يا أمير المؤمنين ترجم هذه . قال نعم ، قال: أو تذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: رفع القلم ، عن ثلاث عن المجنون المغلوب على عقله ، و عن النائم حتى يستيقظ ، و عن الصبي حتى يحتلم . قال: صدقت فخلى عنها23.
فإذا بلغ الإنسان الحلم ، و كانت أقواله ، و أفعاله وفقا للمألوف المعتاد من الناس بحيث يستدل على سلامة عقله و تصرفاته حكم بتكليفه بأحكام الشريعة الإسلامية لتوفر مناط التكليف ، و المرأة متساوية مع الرجل في هذا المعنى ، و الحكم .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( إن النساء شقائق الرجال) 24.
قال الخطابي في معالم السنن: ( أي نظائرهم ، و أمثالهم في الخلق ، و الطباع فكأنهن شققن من الرجال ، و فيه من الفقه.... أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء إلا مواضيع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها ) 25.
و قال ابن حزم: ( و لما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مبعوثا إلى الرجال ، و النساء بعثا مستويا و كان خطاب الله تعالى و خطاب بين صلى الله عليه وسلم للرجال ، و النساء واحدا لم يجز أن يخص بشيء من ذلك الرجال ، دون النساء إلا بنص جلي أو إجماع ) 26.
و قال أيضا مدعما لما سبق: ( و قد تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مبعوث إليهن كما هو الرجال ، و أن الشريعة التي هي شريعة الإسلام لازمة لهن كلزومها للرجال ، و أيقنا أن الخطاب بالعبادات ، و الأحكام متوجه إليهن كتوجهه إلى الرجال إلا ما خصهن أو خص الرجال منهن دليل , و كل هذا يوجب أن لا يفرد الرجال دونهن بشيء قد صح اشتراك الجميع فيه إلا بنص ، أو إجماع ) 27.
6.المساواة في تزويج الأيامى:
و من أجمل المساواة ما بين الرجل ، و المرأة التي شرعها الإسلام ، هو الحث على تزويج الأيامى للحفاظ على الفرد ، و المجتمع من الفساد و التهلكة .
قال تعالى (( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور:32)
قال الدكتور يوسف حامد العالم: (و هذا المبدأ من أهم الوسائل في حماية المجتمع من ظواهر الفواحش ، لأن المجتمع الذي يهتم بتزويج أياماه يطهر نفوس أفراده ، و في ذلك طهارة له بدون ريب ، و المجتمع الذي يهمل أمر الأيامى لا ينجو من مظاهر الفساد و الدنس28) .
7.المساواة في الطلاق مع مراعاة الضوابط الشرعية:
ساوى الإسلام ما بين المرأة والرجل في رغبة العيش المشترك ، أو الافتراق إن لم يستطيعا أن يعيشا عيشة سعيدة مقبولة ، فأباح للزوج طلاق زوجته بعد أن يدفع لها كافة حقوقها المشروعة من مهر ، و نفقة ...الخ .
كما أباح الإسلام للزوجة أن تفارق زوجها إذا كان ظالما لها ، سيئا في معاشرتها ، فلها أن تفارقه إذا أخفقت جميع محاولات الإصلاح بينهما .
و بعد فهذه بعد النقاط ، و الأحكام سلط عليها ضوءا ليتفكر بها أبناء جلدتنا ليروا عظم هذه الشريعة التي حافظت على الإنسان ، و حقوقه ، و مصالحه الدنيوية ، و الأخروية ، ذلك أن هدفها الأعظم هو إسعاد العباد في الدنيا ، و الآخرة و أن السعادة المطلوبة لا تتحقق إلا بمتابعة أحكامها ، و قواعدها ، و مبادئها ، و موافقة مقاصدها .
الفرع الثاني
مفهوم التميز المتعلق بالمرأة في الشريعة الإسلامية
إن مفهوم التمييز المتعلق بالمرأة في الشريعة الإسلامية يمكن أن تعتبره تمييزا إيجابيا لأن بين طياته الرحمة ، و الرأفة بالمرأة ، ذلك المخلوق الذي أوصانا الله تعالى و رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم بهن خيرا . و لا يمكن أن نفهم التمييز كما يروج له أعداء الدين على أن الإسلام يظلم و يضطهد المرأة ، و يحرمها من حقوقها الأساسية نقول لهؤلاء ، و من في قلبه مرض أن الإسلام قد ميز ما بين المرأة في الرجل انتفاء للظلم الذي سيقع على الطرفين ، لأن المساواة في غير مكانها ظلم شديد على الرجل والمرأة .