إن في خندق الجهاد متسعا لأهل القبلة قاطبة، ولم تزل جيوش الأمة -عبر التاريخ- تضم البَرَّ والفاجر، وينتظم في سلكها الصالح والطالح، وإذا كان يجوز التعاون على البر وأعمال الخير مع كل من دعا إليها ولو كان من غير المسلمين، أفلا يجوز ذلك مع المسلمين على ما قد يشوب بعضهم من شائبة ابتداع أو تفريط ؟! وقد تمهد قيام الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنه يقاتل مع الظالم من هو أشد منه ظلما، ومع المبتدع من هو أشد منه ابتداعا!
إن محكمات الشريعة تؤكد على التوحد والائتلاف، وتنهى عن التفرق والاختلاف، وإن فساد ذات البَيْنِ هي الحالقة، التي تحلق الدين، ولقد لاحظ كثير من المعاصرين من حملة الشريعة من خلال تجاربهم الدعوية وعبر أسفارهم المتكررة واختلاطهم بتجمعات دعوية متباينة المشارب أن مرَدَّ نسبة كبيرة من الاختلافات الواقعة بين المتدينين إلى فساد ذات البين، وليس لمجرد الاختلافات الفقهية أو التباينات العقدية، ولهذا كانت كلمتهم دائما إلى هؤلاء { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ( الأنفال: 1 ) { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا } ( الأنفال: 46 ) ( إياكم وفساد ذات البين فإنها الحالقة، ألا لا أقول تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين )
وقد لا يتسنى تحقيق الائتلاف الكامل في هذه المرحلة بصورته المنشودة دفعة واحدة، ، ولكن الحد الأدنى الذي لا يعذر مسلم بالتفريط فيه هو الاتفاق على مبادئ كلية تمثل رؤية مشتركة وموقفا عمليا موحدا تجاه هذه القضية، وإن تباينت الأدوار، وتعددت المسارات، لتباين الاستعدادات والقدرات، والاتفاق على بعض الآليات التي تفعل هذه المواقف العملية المشتركة، وتنقلها من حيز الأفكار والأماني إلى حيز التطبيق والممارسة الفعلية.
لتكن قضية تحرير الأقصى هي المشترك الجهادي العام الذي يلتقي عليه العاملون لهذا الدين، والذي تأتلف حوله كلمتهم، وتجتمع حول تحريره قلوبُهم، وليتفق الناس على إقرار مبدأ وجوب الجهاد لدحر هؤلاء الغاصبين، وأن هذا الجهاد هو مسؤولية الأمة بأسرها، وليتسع مدلول الجهاد ليشمل كل أنواع الدعم الممكنة:
-الدعم المالي من خلال أموال الزكوات والتطوعات العامة التي تقدم من خلال الهيئات الإغاثية أو الصلات الشخصية، وينبغي الاهتمام بتأمين القنوات الموثوقة التي تصل بالمال إلى أهله، حتى لا تذهب أموال المؤمنين أدراج الرياح، ومما يتصل بهذه النقطة ضرورة توخي الحذر في التعامل مع هذا الملف، فسوف تتهم كل محاولات الدعم على أنها مؤازرة للإرهاب، وستنسج لأصحابها التهم، وتلفق لها الدعاوى سواء في بلاد المسلمين أو في خارجها، وقد يقضون جل أعمارهم في غياهب السجون بسبب جمعهم لدريهمات من المال لإغاثة جريح أو كفالة يتيم! وليست هذه دعوة إلى التثبيط أو إشاعة الهلع، ولكنها دعوة إلى الحذر، واتخاذ أقصى ما يمكن اتخاذه من أسباب الحيطة والحذر.
-الدعم الإعلامي، بإشاعة التعريف بالقضية، وإماطة اللثام عن تاريخها، وما تعاقب عليها من مراحل، وتوظيف كل الوسائل الإعلامية المتاحة مثل خطب الجمعة، والمحاضرات والندوات الإسلامية، والدروس العامة أو الأكاديمية: في الجامعات، أو المدارس: العليا أو المتوسطة أو الأولية، وكل ما يمكن الوصول إليه من قنوات التلفاز المحلية والعالمية، أو المحطات الإذاعية وإعداد الكتيبات والدراسات التعريفية ، والأشرطة المسجلة تسجيلا مسموعا ومرئيا وتبني توزيع ذلك على غير القادرين من قبل أولي الفضل والسعة، لعلنا بهذا نرد غائلة الإعلام المعادي أو نخفف من غلوائه وتفرده بالعقول والأسماع، هذا الإعلام الذي بلغ من استخفافه بعقول العالم أجمع أن يدعو السفاح الأثيم شارون برجل السلام (!) على إثر ما ارتكبه من مذابح جينين وغيرها من المذابح التي تولى كبرها في مخيمات الفلسطينيين (!) وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت !! )
-الدعم الفقهي من خلال الفتاوى المجمعية الداعمة للجهاد والمنددة لكل محاولات التفريط أو التخذيل والتثبيط.
-الدعم السياسي من خلال الضغط على صناع القرار في الدوائر الغربية لحملهم على شيء من التوازن أو الإنصاف في التعامل معها، ومن ذلك تنظيم مسيرات الاحتجاج والاتصالات الهاتفية بصناع القرار ورجال الإعلام وإرسال الرسائل المنددة بالعربدة الصهيونية والشارحة للمعاناة الفلسطينية
وبالإضافة إلى الاستنفار العام للمرابطة على كل هذه الثغور السابقة، فإنه يتعين كذلك التأكيد على ما يلي: