فهرس الكتاب
في هذه الغزوة المعاصرة الصهيونية - الأمريكية , تقدم تبريرات بأن هدفها هو البترول (وأنها ليست حربا دينية) وكأن الاستيلاء على بترول العرب والمسلمين مسألة مشروعة أو مبررة أو فيها نظر , وكأن الاستيلاء على مكامن قوتنا الاقتصادية لا يؤدى إلى إضعافنا وإذلالنا وتحويلنا إلى تابعين.
وتردد كثير من الأبحاث والدراسات أن سقوط الاتحاد السوفيتي , وانتهاء الصراع السوفيتي-الأمريكي , الشيوعي-الرأسمالي , هو الذي فتح الطريق للصراع بين الغرب و الإسلام, والحقيقة أن العداء الغربي للإسلام لم ينقطع ( الثورة الإسلامية الإيرانية وثورة الإنقاذ السودانية حوربتا من الغرب رغم وجود الاتحاد السوفيتي) , ولا يقلل من هذا الموقف التكتيكي لأمريكا من الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفيتي, فلاشك أن الخطر السوفيتي كان الخطر رقم واحد , والآن ارتفع الإسلام إلى المرتبة الأولى وأصبح في الصدارة , رغم أنه لم يتشكل بعد كقوة عظمى , بل تسعى أمريكا والغرب للحيلولة دون قيام هذه الدولة العظمى ذات الرؤية الحضارية البديلة , وهى بهذا المعنى المنافس الوحيد للهيمنة الأمريكية والغربية , هذا بالإضافة إلى البعد العددي حيث تقدر الدراسات المستقبلية الغربية أن المسلمين سيشكلون 40% من البشرية منتصف القرن الحالي . هذه الرؤية ليست بنت مرحلة العولمة أو النظام العالمي الجديد أو ما يسمى المسيحية الصهيونية المسيطرة الآن على السلطة في واشنطن ولندن. فقد سبق لـ"أرنست رينان"المؤرخ ذائع الصيت أن قالها بصراحة وفظاظة عام 1862:"إن الشرط الأساسي لانتشار الحضارة الأوروبية هو تحطيم الإسلامية. وتلك هي الحرب الدائمة , حرب لن تضع أوزارها إلا بعد أن يموت بؤسا آخر حفيد لإسماعيل أو يرد على عقبيه إلى أعماق الصحراء , لأن الإسلام هو أكبر نفى لأوروبا , ستفتح أوروبا العالم وتنشر دينها المتمثل في القانون , في الحرية , في احترام الإنسان وهى عقيدة ذات طابع الهي تحملها البشرية".
وهذا نفسه ما يقوله جورج دابليو بوش الآن عن أنه يشن حربا باسم السماء, وأن الله قد اختار الشعب الأمريكي لأداء هذه الرسالة. وما يقوله ممثلو الكنيسة المعمدانية الجنوبية - التي خرج من عباءتها معظم رؤساء أمريكا - من أمثال جيري فولويل وبات روبرتسون, وما يقوله رامسفيلد ومساعدوه, وهو يتضمن إعلان حرب على الإسلام كدين, وليس على ما يسمى الحركات الإرهابية. (الرسول صلى الله عليه وسلم إرهابي - القرآن كتاب يحض على العنف - اله المسلمين وثن - وعندما نحاربهم فنحن نحارب الشيطان ...الخ)
ولا شك أن الصراع ينطوي على استراتيجية للهيمنة والسيادة العالمية وأن هذا التوجه العدواني مشبع بالمصالح الاقتصادية والسياسية, ولكنه يستظل بهذه المظلة العقائدية (المسيحية الصهيونية,التي تربط نهاية العالم بعودة المسيح عقب معركة هر مجدون.. وعقب تجمع اليهود في فلسطين , وهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه) ، وبكل هذه المعاني نحن أمام حرب دينية حضارية.
وعبر التاريخ فان القوى العظمى لا تتخلى طواعية عن سيادتها العالمية, ولا تتراجع إلا عندما تتغير موازين القوى التي تجبرها على هذا التراجع. ولكننا نزعم انه عندما سادت حضارتنا فإننا لم نفرض ديننا ورؤيتنا على المخالفين لنا في الدين . هذا حدث في أوروبا , وحدث في الهند التي ظلت أغلبيتها هندوسية في ظل الحكم الإسلامي المديد , وحدث في مجمل أراضى آسيا , وحدث في قلب المنطقة العربية ذاتها , حيث لم تتعرض الأقليات المسيحية إلى أي حالة من الاستئصال. ويكفى أن نشير إلى حالة مصر , حيث ظل المسلمون منذ الفتح عام 640م - 20 هجرية أقلية لأكثر من قرنين , وظل الإسلام ينتشر بصورة طوعية بطيئة حتى أن المسلمين لم يصبحوا أغلبية إلا في عهد الدولة الطولونية (868-905م , 254-292هجرية) (11) . وقارن ذلك بما حدث في الأندلس وبلغاريا واليونان..الخ
ولا نطرح كل ذلك على سبيل التفاخر أو الكيد, فنحن على استعداد دائما لفتح صفحة جديدة, ونحاول في عصرنا الحديث أن نضع الضوابط الدولية التي يمكن أن تحكم تعايش الحضارات.
ولكنهم, ولأنهم الأقوى, لا يستمعون إلينا إلا على سبيل الخداع ومضيعة الوقت والمناورة.ونحن نشير إلى الفئات الحاكمة المسيطرة والتي تحظى بقبول الأكثرية, ولا يعنى ذلك عدم وجود فئات أو شرائح أو منظمات أهلية في الغرب يمكن التحاور بل والتعاون معها. ولقد كانت هناك و لاتزال فرصة تاريخية لإنشاء جبهة عالمية إنسانية ضد مشروع الهيمنة الأمريكية - الصهيونية, ولقد قدمت الحركات الشعبية في الغرب المناهضة للحرب في العراق فرصة لهذه الجبهة الإنسانية ضد الحرب وضد العولمة (الهيمنة) الأمريكية.