فذهبَ أكثر العلماء إلى تحريم نظر المرأة للرجل , وهو مذهب الشافعية في الصحيح عندهم ( [28] ) , والحنابلة في رواية ثالثة ( [29] ) , ورأي عند المالكية ( [30] ) .
وتولِّي المرأة للولاية يُعرِّضها للنظر إلى الرجال قطعاً .
وقال الإمام النووي رحمه الله: ( الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة: أنه يَحرمُ على المرأة النظر إلى الأجنبي , كما يحرمُ عليه النظر إليها لقوله تعالى:(( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) ) (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) )ولأنَّ الفتنة مشتركة , وكما يَخافُ الافتتان بها تَخافُ الافتتان به , ويدلُّ عليه من السنة حديث نبهان مولى أمِّ سلمة عن أمِّ سلمة أنها كانت هي وميمونة عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم , فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( احتَجبا منه , فقالتا إنه أعمى لا يُبصر , فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما فليس تبصرانه ؟ ) )وهذا الحديثُ حديثٌ حسنٌ , رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ( [31] ) , قال الترمذي: هو حديث حسن , ولا يُلتفت إلى قدَحِ مَن قدَحَ فيه بغير حُجَّة معتمدة , وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أمِّ مكتوم فليس فيه إذنٌ لها في النظر إليه , بل فيه أنها تأمنُ عنده مِن نظر غيرها , وهي مأمورةٌ بغضِّ بصرها , فيمكنُها الاحترازُ عن النظر بلا مشقَّة , بخلاف مُكثها في بيت أمِّ شريك ) ( [32] ) .
فهذا تصحيح الإمام النووي لحديث نبهان رحمه الله عن أمِّ سلمة رضي الله عنها , وقال إسحاق بن هانئ النيسابوري ت275هـ: ( سألتُ أبا عبد الله عن حديث نبهان عن أمِّ سلمة - وساق الحديث - ثمَّ قال: هذا لا ينبغي للمرأة أن تنظر إلى الرجل كما أنَّ الرجل لا ينبغي له أن ينظر إلى المرأة ؟ قال - أي الإمام أحمد - نعم ) ( [33] ) .
وقال الإمام الترمذي ت279هـ رحمه الله: ( هذا حديثٌ حسنٌ صحيح ) , وقال الحافظ ابن حجر ت852هـ: ( وإسناده قوي ) ( [34] ) , وقال الإمام الذهبي ت748هـ: ( نبهان عن مولاته أم سلمة , وعنه الزهري , ومحمد بن عبد الرحمن , ثقة ) ( [35] ) , وقال العيني ت855هـ: ( وهو حديث صحَّحه الأئمة بإسناد قوي ) ( [36] ) , ومِمَّن صحَّحه: التركماني في الجوهر النقي ج10/327-328 , والشوكاني في نيل الأوطار ج6/117 .
وسألتُ الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد وفقه الله عن هذا الحديث فقال: ( إسناده صالح ) .
وعن إسحاق الأعمى قال: « دخلتُ على عائشة رضي الله عنها فاحتجَبَت منِّي , فقلتُ: تحتجبين منِّي ولستُ أراك ؟ قالت: إنْ لَم تكن تراني فإني أراك » ( [37] ) .
وقال الإمام ابن كثير: ( فقوله تعالى:(( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) )أي عما حرَّم الله عليهنَّ من النظر إلى غير أزواجهنَّ , ولهذا ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنه لا يجوزُ للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً , واحتجَّ كثيرٌ منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أمِّ سلمة أنه حدَّثه أنَّ أمَّ سلمة حدَّثته - ثمَّ ذكر الحديث بتمامه - ثمَّ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ) ( [38] ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ت728هـ رحمه الله تعالى: ( وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً ) ( [39] ) .
وروى الإمام البخاري في عدَّة مواضع من صحيحه حديث رؤية عائشة رضي الله عنها لِلَعبِ الحبشة بالحراب في المسجد , والموضع الأول منها: ( كتاب الصلاة ) ( باب أصحاب الحراب في المسجد ) ثمَّ قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن بن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنَّ عائشة قالت: « لقد رأيتُ رسولَ ا صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبونَ في المسجد ورسولُ ا صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظرُ إلى لعبهم , زاد إبراهيم بن المنذر حدثنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: رأيتُ النبيَّ r والحبشة يلعبونَ بحرابهم » .
قال ابن حجر: ( وقال النووي: أمَّا النظر بشهوة وعند خشية الفتنة فحرامٌ اتفاقاً , وأمَّا بغير شهوة فالأصح أنه محرَّم , وأجاب عن هذا الحديث: بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة , وهذا قد تقدَّمت الإشارة إلى ما فيه , قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم , وإن وقع بلا قصد أمكنَ أن تصرفه في الحال , انتهى ) ( [40] ) .
ومن السنة:
1 -قول صلى الله عليه وسلم: (( لن يُفلحَ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة ) )رواه البخاري ( [41] ) .