إخوة الإسلام، أما عن الدعم المقدم لهذه الجمعيات الأمريكية من الأفراد فقد بلغ تبرعُ أكبر ثلاثة متبرعين في أمريكا في عام من الأعوام أكثر من إحدى عشر مليار دولار حسب إحصائية كتاب (عطاء أمريكا 144) (السابق/449) .
وثمة دعمٌ آخر أهمُّ مما سبق ـ إنه المؤسسات الوقفية ـ وهذه تقوم بدعم المؤسسات والمنظمات وجمعيات القطاع غير الربحي ، وهذه المؤسسات الوقفية يزيد رأس مالها على سبعة وسبعين مليار دولار (السابق/448) .
إنها أرقام وإحصاءات خيالية ومخيفة، ومع أن القوم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وستكون عليهم حسرة . . إلا أنهم شرقوا بمؤسساتنا وهيئاتنا الخيرية، وهي رقمٌ صغير إلى جانب أرقامهم ، وما زالوا ولن يزالوا يترصدون لها، ولئن كان أمراً طبيعياً وقوفهم لمناشطنا ومحاولاتهم وقف مدِّ إسلامنا ، وإطفاء نور الإسلام كما أخبرنا الله عنهم"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون".
فليس طبيعياً أن نستجيب لهم ، وأن نصدق تهمهم ، بل علينا أن نكاثرهم وننافسهم في عمل الخير ، ولئن كنا نألم ويألمون فنحن نرجوا من الله ما لا يرجون ، ولئن كانت نتيجة نفقتِهم حسرة وندامة ، فنحن عاقبةُ أمرنا في النفقة خلفٌ ونماءٌ وبركة وسعادة ، وبعدٌ عن الخوف والحزن ، فلا خوف على المنفقين المؤمنين ولا هم يحزنون .
أيها الإخوة المسلمون: وهنا يبرز سؤال مهم ، بل عدة أسئلة تقول: محاصرة القطاع الخيري لماذا؟ ولمصلحة من؟ وما المخرج؟ وما النداء الموجه للمسلمين عامة والموسرين والعاملين بالقطاع الخيري خاصة .
وإلى أن أجيب عن هذه الأسئلة في خطبةٍ قادمة ـ بمشيئة الله ـ أختم حديث اليوم بالقول: والعجبُ لا ينتهي والدعم للعمل الخيري الغربي لا يقف عند حدِّ دعم كبار الأثرياء ، ولا عند دعم المؤسسات الوقفية الغربية ذات الأرصدة الضخمة ، بل يصل في قمته إلى دعم الرئيس الأمريكي ومؤازرته ، وفي كلمة (بوش) التي انتظرها العالمُ في الذكرى الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ركّز في كلمته وبشكل لافتٍ للنظر على أهمية العمل الخيري الأمريكي ـ في الوقت الذي تعلن فيه الحربُ على المؤسسات الخيرية الإسلامية ـ ومما قاله ـ في هذا الصدد ـ وقد سألني عدد لا يحصى من جميع أنحاء البلاد، كيف يمكنني أن أساعد في الحرب على الإرهاب؟ والجواب (كما يقول بوش) ، هو:"تغلبوا على الشرِّ بأعمال الخير ، أحبوا جاراً ، تواصلوا مع شخص يُعاني من حاجة ، أطعموا جائعاً ، علموا طفلاً القراءة ، أو شاركوا في الجهود المحلية للتأهب لحالات الطوارئ" (القطاع الخيري/518) .
هكذا إخوة الإسلام ينادي الغرب بأعمال الخير ، وتستحثُّ الساسةُ شعوبهم للمساهمة ، ولئن كان هذا من حقهم ، أليس هذا تناقضاً صارخاً؟ أليس استغفالاً للمسلمين، بل وقهراً لكرامتهم، واعتداءً على قيمهم وإسلامهم حين يمارس الغربُ الضغط على مؤسساتهم ويحاصرون إنفاقهم؟ وصدق الشاعر حين قال:
بلادُ المسلمين بلاد خيرٍ *** به شهد المؤيِّد والمُشيح
ألا يا من يُعكِّر ما وردْنا *** خسِرت منبعُ أمتنا طفوح
هو الإسلام غوثٌ للناس يسمو *** به عقلٌ وتسعد فيه روح
رويدك لو خضعنا للدعاوى *** لما فتحت أمتنا الفتوح
ولا سمحت بدين الله (صينٌ) *** ولا شفيت بمنهجه الجروح
(د. العشماوي ، انظر: القطاع الخيري/583)
حصار القطاع الخيري . . لماذا ؟ وكيف المخرج ؟
إخوة الإسلام: هذا الحديث مُتممٌ لحديثٍ قبله عن القطاع الخيري ومحاصرته ، وإجابةٌ على تساؤلات: محاصرة القطاع الخيري لماذا؟ ولمصلحة مَنْ؟ وما المخرج؟.
وهو حديثٌ عن الدوافع والأهداف ، وكشفٌ للحقائق بلغةِ الأرقام ، وبيان للمخرج من الحصار ، ونداءٌ للمسلمين عامة ، وللموسرين والعاملين في القطاع الخيري خاصة .
وفي البداية لا بد من التأكيد على هويّة المحاصرين للعمل الخيري وقطاعاته المختلفة ، فمن هؤلاء ؟ .
إنهم: السائحون على الكوارث ، الراقصون على الأزمات ، هم المتطرفون ، الأصوليون الإنجيليون ، والواقعون تحت قبضة الصهاينة المفسدين أصحاب المطامع الشخصية ، عبءُ البشرية ومصدرُ قلاقلها ونكدِها ، والمفاخرون بتدمير العالم وتحجيم فرص الخير لمصالحهم الخاصة .
إن تطاول هؤلاء الأعداء على القطاع الخيري هو جزءٌ من حملةٍ مسعورة هدفها في النهاية القضاء على الإسلام ، وتدميرٌ إمكانات المسلمين . . ومن تصريحات القوم وكلماتهم هُوجم الإسلام ، والقرآن ، والرسولل عليه الصلاة والسلام ودونكم البيان، فقد قال القِس ( فرانكلين جراهام ) في مناسبة حفلِ تنصيب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش:"إن الإسلام دينٌ شرير سيءٌ جداً"، وهو الذي قال:"إن الإرهاب جزءٌ لا يتجزأ من تعاليم الإسلام" ( القطاع الخيري: 503 ) .
وقال منظر صراع الحضارات ( صموئيل هنتنجتون ) :"إن المشكلة الفعلية ليست الأصولية الإسلامية ، إنه الإسلام نفسُه بحضارته المختلفة ، وبأتباعه الذين يعتقدون بتفوق حضارتهم في نفس الوقت الذي نراهم مهووسين فيه بتخلف قوتهم" (السابق: 510) .