وأما القيد الذي وضعه الكاتب فلا أصل له ولا أساس. فإن المشركين زمن صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم أنها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت أو تدبر الأمر، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الله كما قال تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله، قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون) (المؤمنون:84 -89) ، وإنما كان شركهم في دعوتها وعبادتها من دون الله بحجة أنها تقربهم إلى الله زلفى.
قال تعالى حاكياً عن المشركين: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها:"فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا )) انتهى كلامه بتصرف."
وقد جاء في صحيح مسلم أن المشركين كانوا يطوفون حول الكعبة ويقولون في تلبيتهم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) فالمسألة ليست مقصورة على اعتقاد الاستقلالية فقط.
بالنسبة لاستدلاله على أن الأنبياء والأولياء يتصرفون في الكون بحديث:"ولئن سألني لأعطينه". هذا الحديث كما هو واضح يتحدث عن فضل الأولياء في حياتهم الدنيوية ولا يتحدث عن فضائلهم في البرزخ!!
ولم يقل أحد بعدم جواز طلب الدعاء من الولي الحي الحاضر القادر على الدعاء. والكلام في طلب الدعاء من الولي الميت أو الاستغاثة بالولي الميت وهناك فرق بين الأمرين.
فالولي الحي يستطيع أن يدعوا وكذلك يستطيع تقديم المساعدة فيما يقدر عليه في حياته. كما أن هناك فرق بين أن يسأل الولي الله عز وجل ويجيب دعوته وبين الزعم بأن الله قد فوض الولي بالتصرف في الكون؛ بل أعطاه الإذن المسبق في ذلك كما يزعم الجفري.
راجع المقطع التالي والذي فيه زعم الجفري بأن الولي قد يُعطى الإذن مسبقاً في التصرف في الكون فلا يحتاج إلى أن يسأل الله في كل مرة:
بالنسبة لاستدلاله بآية: (لهم ما يشاءون) .
الجواب:
لقد رد الشيخ جيلان بن خضر العروسي في كتابه"الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية" (2/715-717) على من يستدل بهذا الآية على جواز الاستغاثة بالأموات، جاء فيه:
(أولاً: إن الآية ليست في الأولياء فقط بل تشمل جميع المؤمنين كما يدل عليه أول الآية في سورة الشورى:(والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم) الآية، وفي سورة الزمر أيضاً في جميع المؤمنين كما رجحه ابن جرير الطبري مستدلاً مقابلة هذه الآية بالآية التي قبلها (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق) ، وبقوله: (أولئك المتقون) .
فإذا ثبت أن قوله تعالى: (لهم ما يشاءون عند ربهم) في الموضعين عام لكل المؤمنين يلزم على قولهم أن كل المؤمنين لهم المشيئة في القبور ويتصرفون في الإجابة فيجوز دعاءهم لقضاء الحاجات وتفريج الكربات. والصوفية يخصون الدعاء بالأولياء فقط ولا يقولون بذلك في عامة المؤمنين.
ثانياً: سياق الآية يدل على أنها جزاء في الجنة وليس في القبور، ويدل على ذلك قوله تعالى: (في روضات الجنات) في آية الشورى، كما يدل على ذلك مقابلة هؤلاء الصنف المصدقين بالمكذبين الذين قال الله فيهم: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) فكما أن هذا يقع في الآخرة فكذلك الآخر.
ثالثاً: إن التفسير الصحيح للآية هو ما تدل عليه آيات أخر مثل هذه الآية تماماً وهي واضحة أن هذه المشيئة هي في الجنة وأنهم ما يشاءون ويشتهون شيئاً إلا حصل لهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) (ق: 31 - 35) وقوله تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيراً لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعداً مسئول) (15، 16) .
فهاتان الآيتان في الجنة بدون شك ولا ريب، فكذا الآية التي احتجوا بها، فكل هذه الآيات في الجنة لا في البرزخ، ومثل هذه الآيات قوله تعالى: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) (الزخرف: 71) . فتبين مما سبق أن المراد من الآية ليس مشيئة مطلقة وإنما هي مشيئة خاصة بما يشتهونه في الجنة، ودل على هذه الآيات الأخرى والسياق وأقوال المفسرين.
فقد فسر ابن جرير وابن كثير والقرطبي وغيرهم الآية بالطلب في الجنة بعد قيام الساعة، ولم نطلع على أحد فسرها بما يدل على الطلب أيام البرزخ في القبر، فيكون تفسيرها بذلك من التفسير بالرأي المذموم الذي نهينا عنه كما يكون أيضاً مخالفاً لسياق الآية) انتهى كلامه باختصار.
ثم على فرض أن هذه الآية تشمل الحياة البرزخية أيضاً فهذا لا يدل على أنه يجوز أن يستغاث بهم!!
بالنسبة لاستدلاله بحديث الشفاعة.
الجواب: