فهرس الكتاب

الصفحة 24853 من 27364

وقد صح من حديث جمع من الصحابة رضي الله عنهم عن صلى الله عليه وسلم قال:"أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"وفي لفظ:"فأقول: يا رب مني ومن أمتي"متفق عليه.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال:"لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. وعلى رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. أو على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك". قال الحافظ في"الفتح" (6/186) : (قوله:"لا أملك لك شيئاً"أي: من المغفرة، لأن الشفاعة أمرها إلى الله) اهـ.

ففي هذه النصوص أكبر دليل على أن الشفاعة ملك لله وحده يأذن فيها لمن يشاء ويمنع من يشاء، وأنه لا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضراً، لا شفاعة ولا هداية ولا غيرها، إلا بإذن الله، ولو كان الشفعاء مقربين ووجهاء، ولو كان المشفوع فيهم أقرباء.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم"أعطيت الشفاعة"ليس معناه استقلاله بها بحيث يشفع لمن يشاء، أو أن شفاعته مقبولة دائماً، بل هي شفاعة أعطيها يوم القيامة لا تحصل قبل ذلك، ولا تكون إلا بعد إذن الله له بالشفاعة وتعيينه لمن يشفع فيهم كما دلت على ذلك النصوص الأخرى، وكذلك الشأن في سائر الشفاعات الأخرى التي ثبتت ل صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء.

وقد يظن ظان أو يتوهم متوهم أن في ذلك تنقصاً من قدر صلى الله عليه وسلم وتقليلاً من شأنه، أن يقال إن صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا من بعد إذن الله وأمره، ولم تزل تلك سُبَّة الغلاة المخالفين يقذفون بها أهل الحق وشُنعةً يشنعون بها عليهم في كل زمان، إذا ما نصحوا لله ولرسول صلى الله عليه وسلم ، وجردوا التوحيد واعطوا كل ذي حق حقه، وقالوا بموجب ما قررته نصوص الوحي المنزل من رب العالمين، وآمنوا بالكتاب كله ولم يكفروا ببعضه ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه.

وهذا هو التعظيم الحق للرسو صلى الله عليه وسلم ، لا تعظيم أولئك المعاندين له المحرفين لكلامه المخالفين عن أمره المجتهدين في رد حكمه وقضائه.

فالذي قال:"أعطيت الشفاعة"هو الذي قال: فأستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله"، وقال:"فيحد لي حداً"، وقال:"يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال:ليس ذلك لك"."

فتبين إذاً أن قول النبي صلى الله عليه وسلم"أعطيت الشفاعة"ليس معناه استقلاله بها وتصرفه فيها كما يشاء، بل هي شفاعة مقيدة بزمن مخصوص، وهو يوم القيامة، وبإذن الله ومشيئته. وكل حديث أطلق فيه لفظ الشفاعة فيحمل على هذا المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص المحكمة المقيدة) انتهى كلام الشيخ سمير المالكي باختصار.

وهنا مسألة يجب التنبه لها وهي أن الأصل في الأموات أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل بشأنه، فما هو الدليل على أن الميت يسمع طلب من يستغيث به ؟!

راجع لهذا المسألة المهمة كتاب"الآيات البينات في عدم سماع الأموات"للعلامة الألوسي وتحقيق العلامة الألباني رحمهما الله.

وهنا رد على شبهة كثير ما يرددها الجفري وغيرها وهي زعمهم أن هذه الأمة لا يوجد فيها شرك وأن الشرك لا يقع إلا في آخر الزمان ويستدلون على ذلك ببعض الشبه منها:

قول الرسو صلى الله عليه وسلم"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم"رواه مسلم.

وقوله عليه الصلاة والسلام:"إني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها"أخرجه البخاري ومسلم.

ويقولون أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة"وقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان"المقصود به آخر الزمان بدليل ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى"فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) أن ذلك تاماً، قال:"إنه سيكون من ذلك ماشاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم".

والجواب عن هذه الشبهة بما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت