فهرس الكتاب
وقد كتب الغزالي كتاب"الإملاء عن إشكالات الإحياء"أصرّ فيه على عدم بطلان هذه العبارة التي قالها في كتابه"إحياء علوم الدين"واتهم فيه المعترضين عليها بأنهم محجوبون عن الفهم والعلم (3) . واعترف البيجوري بصحة نسبة هذه العبارة إلى الغزالي وأنه شنع عليه جماعة من العلماء بأن فيه نسبة العجز إلى الله (4) . واستعرض الزبيدي أقوال المشنعين على الغزالي لهذا القول منهم تلميذه أبو بكر ابن العربي، وقال القرطبي"قال شيخنا أبو حامد قولاً عظيماً انتقده عليه أهل العراق وهو شهادة لله موضع انتقاد. ومنهم أبو عبد الله المازري وأبو الوليد الطرطوشي وابن المنير الذي كتب كتاباً بعنوان الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي قال فيه"المسألة المذكورة لا تتمشى إلا على قواعد الفلاسفة والمعتزلة". وابن الصلاح ويوسف الدمشقي. وبدر الدين الزركشي الذي قال في تذكرته"هذه من الكلمات العقم التي لا ينبغي إطلاق مثلها في حق الصانع". ومنهم إبراهيم البقاعي تلميذ الحافظ ابن حجر الذي صنف ثلاث رسائل في الرد على الغزالي أولها: المقصد العالي. والثانية: تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان. والثالثة: دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان. ثم ذكر أقوال المنتصرين لقوله المتعصبي له (5) ."
وقد صرح الغزالي بأن أولياء الصوفية لا يريدون الجنة ولا يأبهون لها وإنما يريدون مجالسة الله وإنما الجنة مأوى من لا شغل لهم إلا شهوة البطن والفرج. وهذا القول هو كفر، ونقل ابن حجر الهيتمي قول أهل العلم بتكفير من قال: إن أعطاني الله الجنة لا أريدها" (6) ."
علامات تحيز السبكي وتعصبه
وكتب السبكي كتاب"الإيضاح والبيان عن معنى ليس في الإمكان" (1) دافع فيه بعصبية عن هذه العبارة الطاعنة في قدرة الله عز وجل. وذلك على النحو المعهود عنه في عصبيته. يدافع عما ظاهره كفر، ملتمساً له أعجب المعاذير، بينما يلفق لخصومه شتى الاتهامات الكاذبة.
طعن الغزالي في النبوة
اختبار آخر لدعوة الغيرة على الدين
قال الحبشي"من ادعى أن النبوة مكتسبة أو أنه يبلغ بصفاء القلب إلى مرتبتها أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدّع النبوة: فهو كافرٌ بالإجماع (2) وقد نقل هذه العبارة عمن سبقه وهو يعلم موقف الغزالي من النبوة لكنه يسكت عليه."
وقد اقتدى الغزالي بالفلاسفة في تقسيم خصائص النبوة إلى ثلاث: قوة التخييل وقوة العقل وقوة النفس. وهذا نفسه هو كلام الفلاسفة الذين يقولون أن النبوة مكتسبة (3) . وبالتحديد ابن سينا. ولهذا اشتد نكير العلماء عليه.
قال الغزالي: إن في الأولياء من يكاد يُشرق نوره حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء" (4) ."
قال"ووراء العقل طورٌ آخر تنفتح فيه عين أخرى يُبصرٌ بها الغيبَ وما سيكون في المستقبل. وقد أبى بعض العقلاء مُدركات النبوة واستبعدها وهذا عين الجهل.. وقد أعطى الله خلقه أنموذجاً من خاصية النبوة.. فالنبوة عبارة عن طورْ يحصل فيه عين لها نور، يحصل لها نورٌ يظهر في نورها الغيب" (5) .
بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجوهر الملائكة وينتهي الوحي والإلهام فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم" (6) . فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة والكتب بل بالزهد في الدنيا" (1) وهذه الرحمة ليست موقوفة على الأنبياء وحدهم وإنما هي ممنوحة لكل من يستعد لتزكية النفس وتطهيرها (2) .
ـ ومن هنا أعلنها الغزالي دعوة عامة إلى الجميع لانتظار سماع الوحي الذي حصل لموسى بقوله"واطو الطريق: فإنك بالواد المقدس طُوى، واستمع بسر قلبك لما يوحى، فلعلك تجد على النار هدى، ولعلك من سُرادقات العرش تُنادى بما نودي به موسى {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} (3) ."
قال"وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم وإن لم يكن له مكان مظلم فليلُفّ رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة البروبية (4) ."
ويروي الغزالي (ضمن حكايات المحبين لله وأقوالهم وأحوالهم) عن أبي تراب النخشبي الصوفي قوله لتلميذه"ويلك! أتغتر بالله! والله لو رأيت أبا يزيد البسطامي مرة واحدة كان أنفع لك أن ترى الله سبعين مرة"ويروي عن البسطامي قوله"قولك: سبحان الله: شرك" (5) علق ابن الجوزي على هذا الكلام بقوله"وهذا فوق الجنون بدرجات" (تلبيس إبليس 354) .
ويشبّه الغزالي أفعال المخلوقات بالدّمى التي يظن الناظر إليها أنها تتحرك من تلقاء نفسها (6) وإنما تحركها خيوط عنكبوتية ممتدة من السماء حُجب العوامُّ عن رؤيتها ورآها الخواص من أهل الكشف!.
ولهذا تكرر قوله كثيراً بأنه (ليس في الوجود إلا الله وأفعاله) (7) . وذكر الزبيدي أن من المصرحين بأنه ليس في الوجود إلا الله إنما هو ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية (8) .