ويتبين من هذه التصريحات أن مسخ الإسلام هو أحد الأهداف العقدية لهذه الحملة الصليبية ، فالدافع العقدي هو أعظم دافع يدفع الصليبيين لشن هذه الحروب ، ومحاولة التقليل من شأن هذا الدافع كما أنه تكذيب لحقيقة أمرهم إلا أنه أيضاً مناقضة لما وصفهم الله تعالى به ، فهم على كل حال لن يعدو وصف الله لهم قيد أنملة ، ولم يحذر الله منهم ويبين عداءهم لنا عبثاً ، فبعض ما نقلناه عنهم هو عين ما أخبر الله به عنهم قال تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) فهذه الآية تبين أن ما نقلناه ونقله غيرنا من أقوالهم الصليبية الحاقدة ليس إلا بعض بغضائهم لنا ولديننا ، ويجب علينا أن نعتقد أن ما تخفي صدورهم أكبر بكثير مما بدا من أفواههم .
فكل مسلم صاحب عقل لا يمكن أبداً أن يستبعد الدوافع العقدية في حربهم لنا ، فمن اعتقد غير ذلك فهو ضال لا يعقل ، قال تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ، فمن أصدق من الله قولاً وقد حكم أن قتالهم لنا قائم على دافع ردنا عن ديننا فقوله ( يزالون ) أي أنهم مستمرون بذلك إلى قيام الساعة ، ورضاهم عنا وكفهم عن قتالنا لن يحصل إلا أن نتبع ملتهم ، والنصوص من الكتاب والسنة المبينة لدوافعهم العقدية في قتالهم وعدائهم لنا كثيرة لا يسع المقام لذكرها .
فمما تقدم بينا ثلاث جوانب عقدية تدفع الصليبيين لهذه الحروب الحديثة على العالم الإسلام ، وهي حلقة من سلسلة حروب طويلة يرون أنهم بحاجة إلى شنها ليصلوا إلى مبتغاهم العقدي ، وهناك جوانب عقدية أخرى أقل أهمية من هذه الجوانب لا نطيل بذكرها .
الدافع الثاني لهذه الحرب: هو الهدف الاقتصادي:
إن أمريكا تعد أكبر بلد صناعي في العالم وهي بالتالي أكبر مستورد للنفط ، إلا أن إنتاجها النفطي لا يوفي بحاجتها أبداً ، وافتقارها الشديد للنفط يضطرها لخوض الحروب والتضحية بالكثير من مكتسباتها من أجل تأمين النفط الخام ، وقد أصبح تأمين النفط هاجساً حقيقياً يؤرق الإدارات الأمريكية المتتابعة منذ أكثر من خمسة عقود بشقيها الجمهوري والديموقراطي ، وقد مرت محاولات تأمين النفط لأمريكا من قبل الإدارات المتتابعة بمراحل في العمل والتخطيط ، واستقرت في نهاية الأمر على ضرورة ضمان السيطرة على منابع النفط بشكل كامل بطريق مباشر أو غير مباشر ، ووضعت خطط لأجل ذلك كان من أشهرها ما وضعه كسنجر قبل أكثر من ثلاثة عقود والتي حظيت بتطبيق الإدارات لها مع تعديلات تناسب التغير الحاصل في العالم .
ومما زاد من أهمية منابع النفط لأمريكا أنها دولة تبسط نفوذها على العالم عن طريق الاقتصاد أكثر من بسط نفوذها عن طريق التحرك العسكري ، فهي منظومة اقتصادية أكثر منها عسكرية ، علماً أن سيطرتها العسكرية وتقدمها الصناعي العسكري لا يمكن أن يحصل إلا بقوة اقتصادية هائلة تدعمه ، وبقدر ضعف اقتصادها يضعف نفوذها في العالم ، لذا فإنها أبدت استماتة كبيرة جداً في محاولة تأمين عصب الاقتصاد ، وعملت أمريكا على منافسة دول العالم الصناعية كلها للسيطرة على منابع النفط وأخذ المستعمرات السابقة من بين أيدي الأوروبيين .
ومما أزعج الأمريكيين كثيراً أن كمية الإنتاج النفطي في العالم وسعر البرميل خرج من سيطرتها وأمرها وأصبح تحت تصرف منظمة ( أوبك ) التي تضم الدول المصدرة للنفط ، وأصبح مؤشر سعر البرميل وكمية النفط خاضع لسياسة المنظمة المتمردة نوعاً ما على أمريكا لا سيما بقيادة ( شافيز ) الرئيس الفنزولي الحالي الذي حاولت أمريكا إقصاءه عن الحكم ولكن دون جدوى .
وكل يوم يمر على الأمريكان يشعرون بأنهم بحاجة ماسة لفعل أي شيء لضمان تحرير اقتصادهم من سياسات الدول الأخرى والسيطرة على منابع النفط بشكل كامل، وهم و إن كانوا الآن يملكون التصرف في المنابع النفطية في الخليج خاصة سوى العراق ، إلا أنهم لا يظمنون استمرار هذه السيطرة وعدم تمرد شعوب الخليج أو الحكومات عليهم ، فرأوا أنهم بحاجة ماسة للتعجيل بعمل عسكري يضمن لهم هذه السيطرة .