ونرى أنه من الأفضل لنا أن نلخص أهم مراحل خريطة الطريق المطروحة ، لأن فهمها يعطينا فهماً لأبعاد التحرك السياسي الأمريكي في المنطقة ، لأن هذه الخريطة ستطبق على جميع دول المنطقة إذا ما نجحت في فلسطين ، وخريطة الطريق هذه عبارة عن ورقة سياسية جديدة ستلعب بها أمريكا في المنطقة لدفع الاستيطان الإسرائيلي وبسط سيطرته إلى الأمام ، فالمستفيد الأول منها هم اليهود وحدهم ، فأول هذه الخطة مكاسب لليهود ، وآخرها مكسب صوري للفلسطينيين ، ولكن إذا تحقق مكسب اليهود ، فلا يوجد من يلزمهم بالمواصلة وتحقيق المكسب الفلسطيني الصوري ، وهذه الخطة هي تعبر عن رؤية للرئيس الأمريكي بوش ، لحل الصراع في فلسطين ، وقد وردت أول الفكرة في خطابه في 24 يونيو في العام الماضي الموافق لشهر 3/1423هـ ، وهي صورة أخرى للمبادرة السعودية فنتيجة الخطة والمبادرة واحدة ، وتنقسم هذه الخطة إلى ثلاث مراحل لتطبيقها تنتهي في موعد أقصاه منتصف عام 1426هـ 2005م .
المرحلة الأولى: من منتصف عام 1423هـ - 2002م وحتى منتصف عام 1424هـ 2003م يطلب من السلطة الفلسطينية الوقف الفوري للانتفاضة والمقاومة في جميع أنحاء فلسطين ، ووقف ما يسمى بالتحريض ضد الاحتلال ، وتهيئة الأجواء للانتخابات دستورية لتعيين حكومة فلسطينية جديدة برئاسة رئيس وزراء دون عرفات - الذي سيكون رئيساً فخرياً فقط - وتحسين الظروف الإنسانية للفلسطينيين ، والكف عن المس بالمدنيين اليهود وأملاكهم ، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها منذ رمضان 1421هـ مع بداية الانتفاضة الأخيرة مرهون بقدر التقدم في التعاون الأمني الفلسطيني اليهودي ، علماً أن وصف التقدم في التعاون لا يحدده إلا اليهود .
المرحلة الثانية: ما بين منتصف 1424هـ 2003م وآخر 1424هـ 2003م ، ستشهد هذه الفترة عقد مؤتمر دولي للبدء بمفاوضات حول احتمال إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة حتى نهاية عام 2003م ، وكذلك استئناف العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني التي كانت قبل الانتفاضة .
المرحلة الثالثة: من أول عام 1425هـ حتى منتصف 1426هـ 2004م 2005م سيعقد مؤتمر دولي ثالث للتفاوض بين السلطة الفلسطينية والاحتلال حول الاتفاق الدائم والنهائي الذي يفترض أن ينجز عام 1426هـ ويتعلق بالحدود والقدس والمستوطنات ، والتطبيع العربي ، ومن ثم تنشأ علاقات طبيعية بين العرب والصهاينة .
وأهم ما في الخطة هي المرحلة الأولى وبالأخص وأد الانتفاضة وتحقيق الأمن لليهود ، فالخطة اعتنت اعتناء بالغاً بالمطالب الأمنية الصهيونية ، ولم تعر الأمن الفلسطيني ولا الاقتصاد الفلسطيني أية أهمية .
إذاً الجهة الأولى التي ستلعب دوراً في المنطقة هي أمريكا وإسرائيل وما ذكرناه نزر يسير من الأطروحات الأمريكية في هذا الشأن ، و الأطروحات الأمريكية ترتكز على فرض إسرائيل في المنطقة بكافة الأشكال والسبل ، والتمهيد لإقامة إسرائيل الكبرى ، فنزع أسلحة سوريا وليبيا وتركيع السودان وغزو العراق وتهديد البقية الباقية كل هذا لأن أمريكا تخشى أن يصل إلى سلطة هذه الدول من يشكل خطراً ضد إسرائيل ، وأمريكا ملزمة بحماية أمن إسرائيل داخلياً وخارجية ، وكذلك فرض الاقتصاد الإسرائيلي في المنطقة وإضعاف الجميع لضمان تفوق إسرائيلي عسكري واقتصادي أمر بالغ الأهمية بالنسبة لأمريكا، لأنها تعتبر إسرائيل رأس حربة لها في المنطقة وقوتها هي قوة لأمريكا وسيطرتها سيطرة لأمريكا ، إضافة إلى أن قيامها هو الإذن بعودة يسوع النصارى .
وليست قضية أمن إسرائيل وفرضها في المنطقة حلم أمريكي جديد ، بل هو حلم متوارث منذ أن انتقلت الرعاية لليهود من بريطانيا إلى أمريكا ، فالحلم هو حلم صليبي لفرض إسرائيل وهو أقدم من قيام إسرائيل نفسها ، يقول: ( جون فلبي ) في مذكراته أيام في العراق ترجمة جعفر خياط يقول في حديثه لحاييم وايزمن الرئيس الإسرائيلي: ( أريدك أن تعرف أن عندي ترتيباً خاصاً لا يمكن أن أدبره بلا شك إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها ، فإني أريد أن أجعل من ابن سعود سيد الشرق الأوسط ورئيس الرؤساء بشرط أن يجري تسوية معكم ) .
وبعد سقوط نظام صدام حسين ظهر هذا التوجه بحجم كبير جداً ، شعرت دول المنطقة أن أمنها وسياستها واقتصادها وسلامة عروشها مرتبطة بالتطبيع مع اليهود ، من أجل ذلك سارعت قطر لتكون أول المبادرين لتنال الرضا الأمريكي وتدخل ضمن إطار الدول المصنفة بالحليفة والتي يجب أن تنال الرعاية الأمريكية ، حيث أعلن وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني يوم الاثنين 11/3/1424هـ في مقابلة مع محطة ( سي إن إن ) بأن بلاده تفكر في إبرام معاهدة سلام مع ( إسرائيل) ، وأكد أنه إذا كان هذا الأمر سيخدم البلاد ومصالحها فيمكن بحث معاهدة السلام ، إلا أن وزير الخارجية قال بأن بلاده الآن تتمتع في الوقت الحاضر بروابط تجارية مع إسرائيل وهي العلاقات التي أغضبت دولاً عربية كثيرة ، وقد التقى يوم أمس الأربعاء وزير الخارجية القطري ووزير الخارجية الإسرائيلي ( شالوم ) في إطار المباحثات بين البلدين في شأن هذه الاتفاقية .