فهرس الكتاب
وهناك ثانيًا إثيوبيا التي من المؤكد أنها لن تلتزم بالضوابط التي تضعها الولايات المتحدة لتأمين صيرورة هذه الحرب ومستقبلها , حيث ترى إثيوبيا أنها الدولة الزعيمة في القرن الأفريقي , أنها لا بد لها من إرساء نظرتها لأمنها الخاص على حساب الدول المجاورة , وما حدث في إريتريا كان طليعة لهذا التصور , بصرف النظر عن الاعتراض الأمريكي على طموحاتها الأمنية تلك , وهذا ما سيجعل الصوماليون يرون الولايات المتحدة مسؤولة عن هذه الحرب ولن ينظروا إليها باعتبار أنها قدمت فقط مساعدات تكتيكية .
وأخيرًا , فإن إعلان الولايات المتحدة رعايتها لمثل هذه الحرب بالوكالة قد يؤدي إلى تقويض وجود T N G كليًا أو جزئيًا , وإجراء مفاوضات تؤدي إلى توصيل حلفاء إثيوبيا لسدة الحكم , وهو ما يوافق المثال الأمريكي , لكن فشل هذه المفاوضات سيؤدي إلى حالة انهيار الدولة التي عانت منها الصومال طويلاً , وهذا في حالة افتراض سقوط T N G , وفي حالة فقدانها القدرة على تمويل وتقوية ميليشياتها العسكرية , وتخلي الأثرياء العرب , ورجال الأعمال الصوماليون عنه .
السيناريو الرابع: الإشراف والمراقبة والتدخل السريع (9) :
يرى مينكوس أن الإشراف والمراقبة الدقيقة وتوفير قوة للتدخل السريع والوقائي سياسية واضحة وضرورية ولا يمكن وجود خلاف حولها , وهي سياسة بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها تنفيذها فعليًا , فالطائرات الأمريكية تقوم بطلعات استكشافية فوق الصومال , كما تقوم المخابرات بمتابعة الأعمال الاقتصادية للصوماليين , وللجماعات السياسية الصومالية , وكذا صوماليّ الشتات أكثر من ذي قبل , فضلاً عن أن البحرية الأمريكية تذرع سواحل الصومال جيئة وذهابًا على أهبة الاستعداد للتدخل لحرمان الإرهابيين من فرض النشاط وتحصيل موارد القوة .
وهذا الأمر متوقع استمراره لفترة طويلة نسبيًا سواء لمتابعة أنشطة المشتبه فيهم داخل الحدود الصومالية , أو لمنع اتخاذ الصومال ملاذًا جديدًا للفارين من تنظيم القاعدة , أو استخدام الأراضي الصومالية قاعدة لمزيد من عمليات تنظيم القاعدة .
ويشير مينكوس إلى أنه يمكن للولايات المتحدة إضفاء الشرعية على هذا السيناريو من خلال إقامة علاقة تعاون تنطوي على جعل هذه الأدوات العسكرية وسيلة لتأمين السلطات الصومالية ومعينًا لها في ضبط كثير من الأمور الأمنية مثل مكافحة التهريب والصيد غير المشروع , ويرى مينكوس أن هذا البديل هو أفضل وأقوى ما يمكن للولايات المتحدة أن تفعله حيال الصومال .
السيناريو الخامس: الارتباط البنَّاء مع السلطات الصومالية (10) :
أحد أبرز السمات التي تجعل من الصومال مصدر إشكال متعلق باحتمالات نشوء أنشطة إرهابية يتعلق بضعف الحكومة الصومالية , وعدم قدرتها على ممارسة مهام التغلغل والضبط على إقليمها , وهذا الوضع يحرم الولايات المتحدة وحلفائها من سلطة قوية قادرة على تعقب المشتبه فيهم والتحقيق معهم , واعتقالهم حين الضرورة , وهذا ما دفع كثير من المراقبين إلى اعتبار أن أهم ما على الولايات المتحدة عمله حيال الصومال هو الدخول مع سلطة T N Gفي علاقة شراكة أمنية تتيح لها التحرك المشترك في مجال مكافحة الإرهاب , بل لقد سارع T N Gبالإشارة إلى أنه يمكن الاعتماد عليه كشريك في الحرب ضد الإرهاب في حالة ما إذا تولت دولة قوية مساعدته في هذا المجال .
وفي هذا الإطار يميز مينكوس بين سيناريوهين لإدارة علاقة الشراكة تلك:
وأول هذين السيناريوهين يتمثل في إقامة علاقة مباشرة مع T N Gنفسها , لكن مينكوس رفضه لثلاثة اعتبارات:
أ ـ هذا السيناريو سوف يؤدي لإغضاب إثيوبيا .
ب ـ هناك أقوال حول الخلفية والارتباطات الإسلامية القوية لهذه الحكومة .
جـ ـ ليس هناك بادرة تدل على أن T N Gلديها استعداد لتطوير قدرة الدولة على التغلغل والضبط , ومن أمارات ذلك الحدث أن كل المساعدات الغربية المقدمة خلال الـ 18 شهرًا الماضية لم تستخدم لتطوير إمكانات الدولة , بل دخلت جيوب أعضاء حكومة T N G .
وثاني هذين السيناريوهين يتمثل في إقامة علاقة شراكة مع السلطات المحلية المختلفة داخل الأقاليم الصومالية , وبخاصة مع سلطة ولاية صوماليلاند التي يتزعمها حاكم انفصالي قوي ذو علاقات جيدة نزاعة للسلام مع إثيوبيا , فضلا عن تعامله بحزم مع الإسلاميين المتطرفين في أرض إقليمه , والتعاون مع هذا الحاكم لن يكون لأغراض داخل صوماليلاند , فهو يتكفل بها , لكن يمكن اتخاذ الوجود الأمريكي في هذه المنطقة لتحركات أمريكية أمنية فاعلة في المستقبل .
وفي هذا الإطار يوفر نموذج التعامل الأمريكي مع الفلبين سابقة يمكن استيعاب احتمال تكرارها بالنسبة لتجربة التفاعل مع النموذج الصومالي , فالقوات الأمريكية الموجودة في الفلبين ليس هدفها هزيمة قوات نظامية , بل هزيمة قوات تنتهج منهج حرب العصابات رغمًا عن الدولة , وفي هذا الإطار يمكن تفسير التشابه بين دوريّ القوات الأمريكية الحالي في الفلبين والمحتمل في الصومال .. ويزيد من الجمع بين المثالين والقدرة على الربط بينهما أزمة التغلغل التي تصف الدولتين على إقليمهما .