فهرس الكتاب

الصفحة 25864 من 27364

ثم تتوالى الأحداث بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في العهد المدني فماذا عمل اليهود له من مكائد ودسائس، وقد حاولوا اغتياله، حينما قدم إلى حصونهم، فدبروا حيلة خبيثة، بمعاونة الشيطان، وموافقته، حيث أرادوا إلقاء حجر عليه وهو غافل (والقصة أوردها الأمام الذهبي، في تاريخ الإسلام ص 151) . ولكن الله نجاه من غدرهم، ووضعوا لهم السم في طعامه، ثم بعد ذلك أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، فعقدوا اتفاقات عسكرية مع أعدائه لغزوه في المدينة، ولكن الله أبطل كيدهم، ثم بعد ذلك، هاهو النفاق يطل برأسه، وسط جراثيم الحقد و الغل، على هذا النبي الكريم ودعوته، صلى الله عليه وسلم ، إلى أن وصل بهم الحقد أن يتهموه في عرضه الطاهر؛ إذ لفقوا تلك الفرية القذرة، عندما أشاعوا أن زوجته الطاهرة، الصديقة بنت الصديق، قارفت الزنا، فبرأها الله منه، وألبسها ثوب العز والفخار، قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة، وهذا تشريف له - عليه الصلاة والسلام -، فماذا عمل صلى الله عليه وسلم ، مع رأس هذه الفتنة، لعنه الله.. ؟ تركه حفاظاً على جناب الدعوة الفتية، وإكراماً لابن هذه المنافق، الذي لم يكن مثل أبيه، بل ملأ الإيمان قلبه، فهل يوجد على وجه الأرض خلق ونبل وكرم مثل هذا، فصدق الله العظيم، الذي زكاه (وإنك لعلى خلق عظيم) ، وهاهو القرآن الكريم يسجل فصول هذه الرواية في مواضع كثيرة من القرآن (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11) . ثم قال مطمئناً نبيه، محمد صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الحجر: 95) . وقال - سبحانه - حاثاً نبيه على مواصلة الكفاح من أجل إيصال الخير للناس عامة: (... وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... ) (المائدة: من الآية67) .

إذاً لا نستغرب إذا تصرف هؤلاء هذا التصرف، فقد قالوا وفعلوا أشنع من ذلك؛ إذ تطاولوا على من هو خير من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وهو مالك الملك إله الأولين والآخرين الملك العظيم، جبار السماوات والأرض، الذي بيده القدرة المطلقة، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس: 82) . تأملوا ماذا قالوا.. ؟ وقد سجل القرآن قولتهم، في آيات بديعة رائعة صادقة الوقوع، وتأمل الخسة والحقارة والجراءة في مقولتهم:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ... ) (المائدة: من الآية64) ثم تأمل أيضاً إلى ما هو أدهى وأمر (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ... ) (آل عمران: من الآية181) ثم تأمل ماذا قالت النصارى أيضاً، وملة الكفر واحده: (... وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ... ) (التوبة: من الآية30) وماذا قال فرعون بكل سخف وجنون، بعدما استخف قومه فأطاعوه: (... يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي... ) (القصص: من الآية38) .

أبعد هذا قول يُقال.. ؟

إذاً الأنبياء عليهم وعلى نبينا محمد أزكى الصلاة وأتم التسليم، من باب أولى أن ينالهم مثل هذا الأذى.

ثم إن القوم لم يأتوا بجديد، فإذا عرفنا هذا، هل نسكت ونمرر الحدث.. ؟ لا وألف لا، بل يجب أن تستفيد منه، ونستثمره لصالح الإسلام والدعوة إليه، منطلقين بذلك من قول ربنا - سبحانه وتعالى -، عندما قال لنا في مثل هذه الأزمات والمصائب: (... وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ... ) (البقرة: من الآية216) .

إذاً كل أمر ينزل بنا من قبل أعدائنا هو خير لنا إذا أحسنا التعامل معه، واستفدنا منه، وأخذنا منه الدروس والعبر.

ولا شك أن ما فعله القوم فيه فوائد جمة، وفي ظني لو علم القوم ما هي الفوائد التي سنجنيها من فعلتهم ما فعلوها، فهذه بعض الوقفات مع بعض الفوائد من هذا الحدث الجسيم...

فوائد الحدث...

1)ـ استشعار عظمة هذا الدين ونبيه صلى الله عليه وسلم ، عند المسلمين، وذلك من خلال ردة الفعل العنيفة، التي حدثت بعد هذا الحدث الخطير، نجد كثيراً من المسلمين قد ابتعدوا عن مصدر عزتهم وقوتهم، بتجاهل كثير من سنن المصطفى، صلى الله عليه وسلم ، بسبب ما أصاب المجتمعات الإسلامية من ركون إلى الدنيا ورغد العيش، والغوص في الملذات التي أبعدتنا كثيراً عن مشكاة النبوة، وهذه الفعلة القذرة أعادت إلى الأذهان توهج مشعل النبوة، ونور الهداية، وجعلته حاضراً في نفوس أبناء الأمة على مختلف مستوياتهم وتوجهاتهم، مما سيكون له الأثر البالغ في عودة الأمة إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم دراسة وتعلماً، وهو الذي كان السبب في إخراج هذه الأمة من ظلمات الجهل إلى ساحة نور الإيمان والعزة والكرامة والقوة والمنعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت