بالنسبة لنا فإن ميزة هذه القيم أنها تطبق على جميع الناس بدون تمييز، ولا يمكن استخدامها لمنع أحد من الاحترام والاعتراف به على أساس الجنس أو اللغة أو الدين.
ولذلك يمكن لأي شخص أن يصبح أمريكيا، وهذا ما يحدث فعلا، فيأتي الناس من جميع أنحاء العالم إلى دولتنا، ليتنسموا الحرية، كما ينادي به تمثال الحرية في ميناء نيويورك، وفي وقت قصير يصبح هؤلاء أمريكيين، ولم يسبق في التاريخ أن أمة من الأمم أقامت شخصيتها ـ من دستورها ووثائقها الأساسية، وفهمها الذاتي ـ بهذه الصراحة، على أساس القيم البشرية العالمية، وعندنا لا توجد حقيقة عن دولتنا أهم من ذلك"؟!."
هذه هي القيم الأمريكية التي يفتخر بها (المثقفون الأمريكيون) ، ولا بدان نبدي ملاحظاتنا عليها قبل أن نعرفهم بقيم حضارتنا الإسلامية، لتكون المقارنة بينهما واضحة المعالم بالنسبة للحضارتين:
1ـ أنتم تبالغون في تقديس الإنسان انطلاقا من عقيدة أنه"خلق على صورة الإله"ولأنكم تؤمنون ب"قوانين الطبيعة وقوانين إله هذه الطبيعة؟!"وهذا يعنى أن الإنسان إله نفسه، وليس عبدا للإله الذي خلقه، وليس خاضعا لقوانينه وأحكام شريعته، انسجاما مع إنكاركم للبعث والحساب والعقاب.
2ـ في نظركم أنه لا توجد"حقيقة مطلقة"، ويستحيل على عامة الناس إدراكها، لذلك ليس أمامهم إلا أن يعيشوا داخل مجتمع المدينة، ويندمجوا فيه بحثا عن الحقيقة؟!، وهذه أيضا ليست من قيمنا، المجتمع الإسلامي يومن بوجود"الحقيقة المطلقة"ويفهمها بسهولة، لأنها تنسجم مع المنطق العقلي، والفطرة البشرية، وهي التي شرح القرآن الكريم جميع تفاصيلها، وأدلتها العقلية والعلمية، المادية والحسية، وتتلخص في الإيمان والاعتقاد بجملة واحدة:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وعندنا لا توجد حقيقة في عالمنا الإسلامي أعظم منها.
3ـ قبل أن نتحدث عن"حرية القيم والحرية الدينية". ينبغي أن نحدد مفهوم كل منهما، فالقيم تختلف باختلاف الشرائع والحضارات والثقافات، وما يعتبر قيمة أخلاقية في أحدها، قد لا يعتبر كذلك في غيرها، وبالتالي فحرية القيم في حضارة لا دينية، ليست مطلقة في حضارة دينية، وإذا كان المراد بالحرية الدينية حق الفرد في اختيار الدين الذي يريده أو عدم التدين، فهذا الحق أكده القرءان بقوله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". كما أسلفنا، لكن هذه الحرية لا تعني حقه في انتقاد أو معارضة المخالفين له، وحتى مفهوم الحرية الفردية، يجب أن لا تكون سببا لحرمان الآخرين من حريتهم.
4ـ أما الإدعاء بأن"ميزة هذه القيم أنها تطبق على جميع الناس بدون تمييز"فلا شك أن المقصود بالناس هنا،"الأمريكيون البيض"فقط، فالتمييز العنصري والديني والثقافي هو المرض المزمن الذي لا تملك قيم (الحضارة الغربية الاستكبارية) القدرة على التخلص منه، ومنذ (11 شتنبر) أصدرت الولايات المتحدة عشرات القوانين لترسيخ الميز العنصري ضد جميع العرب والمسلمين حتى الحاصلين منهم على الجنسية الأمريكية.
لم نكن نظن أننا بحاجة للتعريف بقيم الحضارة العربية الإسلامية العالمية، التي استغرقت ملايين الدراسات العلمية في كل مجالات المعرفة، بمختلف اللغات، وخاصة اللغة العربية، عبر أربعة عشر قرنا، واعتنقها اكثر من مليار نسمة، ينتمون إلى مئات الجنسيات والقوميات والأعراق الممتدة عبر القارات الخمسة لكوكب الأرض، لولا ما جاء في (الفتوى) من الغرور والاستخفاف، والاستكبار، واعتبار القيم الأمريكية قمة الأخلاق، والقيم الإنسانية العالمية، وكأنه درس موجه للعرب والمسلمين الذين يتهمهم الرئيس بوش ـ المصدوم من هجوم (11 شتنبر) ـ بالإرهاب فقط لأن"تنظيما إسلاميا سياسيا سريا متهم بهذا الهجوم"، دون أن يعلم أحد في العالم بحقيقة أسرار هذا"الحدث"الفريد من نوعه في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الغزو الاستعماري الأجنبي.
وتأتي (فتوى المثقفين الأمريكيين) لتأييد حكومتهم، وتعميم وصف الإرهاب على مليار من المسلمين فوجئوا بالحادث مثلما فوجئ به سكان العالم أجمع، وأكثر من ذلك، أن يتخذ الرئيس بوش من هذا (الحدث) فرصته الذهبية لإعلان الحرب على جميع المسلمين ودولهم، واحدة بعد أخرى، مدعيا أن الإرهاب نابع من دينهم الإسلامي؟! وتؤكد (فتوى المثقفين الأمريكيين) هذه التهمة متسائلة:
"ما الذي يساعد على التقليل من سوء الظن والحقد والعنف الناشئة عن الاعتقاد الديني في القرن الحادي والعشرين؟!."
وتتابع"الفتوى""موضحة":