ـ"الذين قاموا بمهاجمتنا في (11 شتنبر) أعلنوا أنهم يقومون"بحرب مقدسة"؟، كثير من مؤيديهم والمتعاطفين معهم يذكرون اسم الله على هذا الأمر، ويبدو أنهم يعتقدون الفكرة الأساسية للحرب المقدسة، ويكفينا كأمريكيين أن نتذكر تاريخنا وتاريخ الغرب، لندرك حجم الكارثة في هذه الطريقة من التفكير: الحروب الدينية النصرانية، والعنف القائم بين فرق النصارى، مزقت أوربا لما يقرب من قرن من الزمان، وفي الولايات المتحدة لنا إلمام بالذين يعتدون على الغير بالقتل باسم الدين. وهذه الظاهرة السيئة لا يخلو منها دين، ولا تخلو منها حضارة"؟!.
كم نأسف نحن اليوم، كمثقفين وعلماء مسلمين، لكون المثقفين الأمريكيين، وتلاميذهم العلمانيين من العرب والمسلمين، بحكم جهلهم المسبق بالإسلام، وتاريخ الحضارة الإسلامية، و"من جهل شيئا عاداه - كما يقول المثل العربي- لا يفرقون بين الإسلام والمسيحية، ولا يستوعبون الخصائص المميزة لكل منهما:"
أولا: مصطلح"الحرب المقدسة"مصطلح مسيحي أعلنته الكنيسة الكاثوليكية لتعبئة وتجنيد شعوب وممالك الدول المسيحية الغربية، في الحروب الصليبية الثمانية التي استمرت 195 سنة، ورسمت الصليب في راياتها رمزا لهذه"الحرب المقدسة"، هذا مع العلم بان الإسلام لا يعرف شيئا اسمه"الحرب المقدسة"، وحتى الحرب التي قام بها صلاح الدين ضد الصليبيين باسم"الجهاد"الإسلامي كانت مجرد"حرب دفاعية"لتحرير فلسطين، والقدس التي وصفها القرآن ب"الأرض المقدسة".
ومع ذلك فحروب"الجهاد"الإسلامي الشرعية، سواء كانت لتحرير فلسطين أو أفغانستان أو الشيشان أو أي بلد إسلامي آخر، هي حروب"دفاعية"واجبة إسلاميا على جميع المسلمين ضد أي عدوان أجنبي، ولم يصفها أحد من العلماء المسلمين أو المؤرخين بأنها"مقدسة"، وعلى عكس ذلك فالرئيس بوش هو الذي وصف حربه ضد ما سماه ب"الإرهاب الإسلامي"في أفغانستان وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى ب"الحرب الصليبية"أي المقدسة ليعود بالتاريخ الصليبي وبالحضارة الإنسانية ألف عام إلى الوراء!!.
ثانيا: الإسلام على خلاف المسيحية لا يعرف شيئا اسمه"السلطة الدينية"مثلما هي للكنيسة، ولا"رئيسا دينيا اسمه البابا"ولا نظاما يقوم على أساس"الأكليروس والرهبنة، والاعتراف، والغفران، ورجال الدين، وعقيدة التثليث، والطقوس الدينية الأخرى، كما لا يعرف شيئا اسمه"الحروب الدينية"من نوع الحروب المسيحية التي قامت ـ ولا تزال ـ بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس. أما (المسجد) فهو مجرد بيت الله المخصص لعبادته بالعلم والمعرفة."
ثالثا: الإسلام ليس دينا رجعيا، ولا وثنيا، ولا فكرا فلسفيا أو إيديولوجيا، ولا مدينة فاضلة، ولا ثورة عمالية، ولا ليبرالية رأسمالية، وليس من صنع زعماء أو رؤساء دول، وعلى خلاف جميع هذه التصورات والمفاهيم الخاطئة عن الإسلام، تأتي الحضارة الإسلامية لتعرف الإنسان بأن الحياة الدنيا مجرد"وسيلة"زمنية محدودة للعبور إلى الدار الآخرة التي هي:"الغاية"، لأنها الحياة الأبدية الخالدة في الجنة أو في النار، وان الحياة الدنيا ليست ضربا من العبث كما يظن الكافرون، وهذا ما يؤكده القرآن بكل وضوح في الآيات التالية:
ـ"وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار" (ص27) .
ـ"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم" (المؤمنون 116) .
ولأن الحياة ليست عبثا، هناك إذن مسؤولية يتحملها الإنسان طيلة حياته للقيام بواجباته المفروضة عليه تجاه خالقه، وتجاه مجتمعه الإنساني والديني، تقرر مصيره الأبدي في الحياة الآخرة. رابعا: الإسلام دين تقدمي أخلاقي حضاري بأسمى ما تحمله هذه الكلمات من المعاني الإنسانية، لأنه حقق لأول وآخر مرة، في التاريخ البشري ـ دون منافس ولا منازع ـ"مبدأ الوحدة البشرية"الملتحمة عقيدة وإحساسا عاطفيا ب"الأخوة الدينية"والمتمثلة في مفهوم"الأمة الإسلامية العالمية"التي لا تميز بأي شكل من الأشكال بين الإنسان الأبيض والأسود من أي جنس، وأية لغة، مهما تباعدت أو اختلفت أوطانهم، حيث يعتبر"الحج"إلى مكة المكرمة ـ الركن الخامس من أركان الإسلام ـ واجبا على كل مسلم ومسلمة مرة واحدة في العمر، لحضور هذا المؤتمر الديني الاجتماعي ـ الثقافي ـ العالمي، الذي ينعقد سنويا وبدون انقطاع، منذ 1423 سنة هجرية، لتحقيق وإبراز معاني وقيم هذه"الوحدة البشرية الإسلامية العالمية"، وهذا ما عجزت عن تحقيقه الدول الغربية العنصرية، ولعله لأول مرة، يدعو النائب البريطاني سايمون هيوز - المتحدث باسم حزب الديمقراطيين الأحرار- المسيحيين البريطانيين إلى تغليب صفة"العالمية"على تفكيرهم وسلوكهم، كما يفعل مواطنوهم المسلمون (مليونا نسمة) ."6/11/2002 ش أ"
هذه إذن فروق جوهرية واضحة المعالم، ليست في حقيقة الأمر والواقع، بين دينين، بل بين حضارتين عالميتين متعاصرتين: