هذه هي أكبر مأساة في الفكر الديني المسيحي، بل في سائر النظم التربوية والثقافية والإعلامية في دول الغرب قاطبة، هناك اعتقاد واحد وهو أن الدين الإسلامي هو كالأديان المسيحية: يتعارض مع العلم، ومع العقل، ومع الحرية، مع أن الإسلام نفسه يؤكد بمئات من الآيات والأحاديث النبوية ـ رفضه لأي رأي أو تشريع أو تفسير أو حكم لا يقوم على أساس علمي، أو عقلي، ويتطابق مع حرية وكرامة الإنسان، وهذا ما اعترف به وأكده عدد من العلماء الباحثين الغربيين، نذكر من بينهم الطبيب الفرنسي موريس بوكاي في كتابه"الأناجيل والقرآن والعلم"، والباحثة الألمانية زيغريد هونكيه في كتابها:"الله يسطع على الغرب"وهناك اعتراف عام من طرف الخبراء الغربيين بالفكر الإسلامي، بأن الرأي العام الغربي يجهل تماما حقيقة الإسلام، وتأكد هذا بعد (11 شتنبر) ، وإعلان الرئيس بوش"الحرب على الإسلام تحت غطاء"الإرهاب"، لكن هذا الموقف استهجنه الخبراء والكتاب الموضوعيون الغربيون أنفسهم، نذكر من بينهم ما جاء في مقال نشرته"لوموند ديبلوماتيك"الفرنسية (بتاريخ يونيه ـ غشت 2002) بقلم أينيا سيورا موني، نقلا عن مجلة"وجهة نظر"الفرنسية عدد 64. بمناسبة الذكرى الأولى لأحداث"11 شتنبر"بعنوان:"الإسلام دين وحضارة وليس إرهابا"، جاء فيه:"
"... فحتى الرئيس الأمريكي تحدث في الساعات التي تلت الحادث عن (حرب صليبية) ، وعن صراع بين قوى الخير والشر، ووصف الهجمات الانتحارية بأنها هجوم على الحضارة، الشيء الذي أعطى الانطباع بأنه يرمي بالإسلام إلى جهة الشر والوحشية، أما رئيس الحكومة الإيطالية فقد كان أكثر وضوحا في شعوره المهين، بتأكيده على تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، وذلك طرح عنصري يتداوله بشكل أو بآخر، جميع الزعماء الوطنيين الشعبيين في أوربا، من هولندا إلى النمسا، ومن الدانمارك إلى فرنسا، ... والحقيقة أن الإسلام ما يزال مجهولا بشكل كبير لدى كثير من الغربيين، الشيء الذي يشجع على ظهور شتى أنواع المغالطات."
لقد منح الانسجام والبساطة للدين الإسلامي قدرة كبيرة على مستوى الإقناع، لم يبلغها أي دين آخر، بحيث استطاع الإسلام في ظرف قرن واحد، أي بين 632 و 732 ميلادية، أن يوسع نفوذه إلى تخوم الصين، ويصل إلى منطقة بواتيي بفرنسا...
وإلى غاية اليوم ما يزال الإسلام يكسب المزيد من المؤمنين، ليس في أوربا وأمريكا فحسب، بل في إفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا أيضا، فالمسلمون تجاوزوا اليوم المليار نسمة... وجاء في ختام مقاله:
"... إن أولئك الذين ينفعلون مع تيار الكراهية المعادي للإسلام، يستفحل شعورهم العدواني، إلى درجة أنهم ينسون أن الإسلام ثقافة وحضارة، وأن هاتين الأخيرتين تعتبران من أرقى الحضارات والثقافات التي شهدتها الإنسانية، كما ينسون أن أبرز النصوص التي ألفها أكبر المبدعين والمفكرين اليونان القدامى، حفظت وأنقذت من الضياع، بل وصلتنا بفضل الفلاسفة والعلماء المسلمين، ولو لم يسهم العلماء المسلمون في تطوير الرياضيات، واكتشاف الجبر والفيزياء والطب والبصريات والهندسة والفلك، لما وجدت العلوم الحديثة."
ينبغي على أولئك الذين يظنون أن هذا المجد كله ينتمي إلى الماضي وينتهي عنده، أن يتأملوا الآية القرآنية:"...فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت، قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه..."، أي لم يتغير (البقرة 259) .
نضيف نحن بدورنا أيضا:
كما ينبغي أن لا ينسى هؤلاء أن أكاديميات العلوم الغربية، تشتمل على فصل للدراسات العلمية العليا تحت عنوان:"دور الإسلام في بناء العلم العالمي"، ولا يزال أمام جميع الباحثين في العالم"مكتبة مرجعية"
ونجيب عن السؤال الذي طرح عرضا دون اهتمام بالجواب عنه:
ـ"نريد أن نعرف سبب ولادتنا وماذا سيحدث بعد الموت"؟، وهو السؤال الذي قال عنه رجاء كارودي الفيلسوف الفرنسي المسلم:"أن كل محاولات الإجابة عنه في القرن العشرين باءت بالفشل"، مع العلم بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى للبشرية جميع التفاصيل المتعلقة بالإجابة عنه.
عرفنا قيم حضارتكم، وعلينا أن نعرفكم بقيم حضارتنا:
وحتى لا يتمادى"المثقفون الأمريكيون"في الغرور بأن دولتهم تملك من القيم البشرية العالمية، ما لم تعرفه أو تمارسه أية دولة أخرى عبر التاريخ، نقدم لهم الملاحظات الدالة على جهلهم، أو تجاهلهم الاستخفافي بتاريخ الإسلام وقيمه وحضارته:
قبل ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية بمئات السنين، أي في منتصف القرن السادس للميلاد، كانت البشرية كلها قد دخلت عصر اكتمال مراحل تطورها العقلي، ونضجها الفكري والاجتماعي، وتأهلها لإدراك واستيعاب واستقبال آخر خطاب سماوي، ينزل على آخر رسول بشرى، بآخر واكمل"شريعة إسلامية عالمية"تابعة ونابعة من نفس دين جميع الأنبياء والرسل السابقين، الذي هو الإسلام.