فهرس الكتاب
إن الأحداث الجارية أصابت كثيراً من الناس باليأس والقنوط والهلع والجزع وقد كان مما علمناه من كتاب الله أن من سنن الله تعالى في خلقه بقاء الصراع بين الحق والباطل والخير والشر ليميز الله الخبيث من الطيب ، وليعلي بالتمحيص درجات أهل الإيمان ، وليرفع بالابتلاء درجات بعضهم فوق بعض ولتتم مقتضيات حكمته تعالى في إيقاظ الهمم بالنوازل ، وتحريك العزائم بالمحن وإحياء الحمية الإيمانية بالمحن .
وقد ضرب الله لنا أمثالا بالأمم والأنبياء قبلنا ، ومن أكثر القصص في القرآن قصص بني إسرائيل ، وذلك لوجود بعض أوجه الشبه بينهم وبين هذه الأمة ، وقد عاشوا سنين عديدة تحت الذل والهوان والتسلط الفرعوني بعد أن نسوا ما ذكروا به ، وتعلقوا بالدنيا وأنسوا بها وركنوا إلى الشهوات وحب الحياة ، ثم اشتد عليهم العسف والأذى قبيل ميلاد موسى عليه السلام ، ولما بلغ أشده وأكرم بالنبوة زاد عليهم الأذى والظلم ، حتى قالوا { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } (الأعراف:129) .
ومكثوا على هذا الحال من الاضطهاد سنين عديدة وفيهم أهل الإيمان بالله: موسى وهارون ومن استجاب لهما ، ونبي الله يعدهم بالنصر والاستخلاف في الأرض وهلاك العدو ، وبعد هذه السنين الطوال أمروا بالخروج وركوب البحر ، فخرجوا من الذلة والهوان { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } (الأعراف:137) .
وفي هذا دليل على أن نصر الله تعالى آت وزمانه مقبل ولكنه لا يحسب بحساب أعمارنا القصيرة ولا يقاس وفق قياسات زمنية قريبة { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } (الأنبياء:37) .
وإنني أرى أن هذه الأحداث توجب علينا الكثير من الأمور على مستوى الشعوب والأفراد ، ومن هذه الواجبات:
1 -إن الواجب في هذه الأحوال الاستمساك بالعروة الوثقى والاسترشاد بالهدى المبين من كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، والوثوق بوعد الله واليقين بنصر الله وأن الله سبحانه لن يسلط على هذه الأمة من يستبيح بيضتها ، وأنها أمة مرحومة منصورة ، كما أخبر الصادق المصدوق نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولذا ينبغي أن تكون هذه الأحداث مهما كانت مؤلمة موئل تفاؤل ورجاء لا مصدر يأس وخوف إن العمل على إشاعة روح التفاؤل والثقة بنصر الله،والتأكيد على أن المستقبل لدين الإسلام في مثل هذه الظروف من أوجب الواجبات ، قال الله تعالى { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } (غافر:51) .
2 -الحرص على تقوية الربط بين الأحداث وبين القضية الكبرى للمسلمين: قضية فلسطين والحد الأدنى الذي لا يجوز التنازل عنه بحال من الأحوال هو دعم المجاهدين في فلسطين بالقليل من المال والقليل من السلاح والقليل من الغذاء والدواء والإقلاع عن أوهام السلام الذي لن تغفر الأمة لدعاتها اقترافهم هذه الجريمة في الوقت الذي تسيل فيه الدماء في فلسطين أنهاراً وفي الوقت الذي يبدو فيه اقتناع كثير من الناس داخل أمريكا - فضلاً عن خارجها - بضرورة التعامل العادل معها ، مما يعضد الانتفاضة المباركة ويسند جهاد المسلمين لليهود ، ويزيد قضية فلسطين رسوخا ويزيل كثيرا من الغبش العلماني والشهواني عن مساراتها إن من أهم محددات نتيجة المواجهة بين أمريكا والصهاينة من جهة والمسلمين من جهة أخرى هو ما يجري في ساحة فلسطين ولذا فإن الواجب على الحكومات والشعوب والجماعات أن تدعم الجهاد في فلسطين بكل ما تستطيع وألا تسمح بسقوطه لأن النتائج لذلك السقوط لا قدر الله ستكون مؤلمة وكارثة .
3 -يمكن للعاملين للإسلام القيام بترسيخ مبادئ الدعوة إلى الإصلاح الشامل لحال الأمة ليطابق كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ويسترشد بهدي الخلفاء الراشدين وعصور العزة والتمكين ، وذلك بواسطة برامج ودراسات تُنشر للأمة ويخاطب بها الحكام والعلماء والقادة والعامة وستفتح الأحداث بابا واسعا لتطوير وسائل الدعوة لمواكبة المواجهة العالمية الشاملة بين الكفر والإيمان ، فبالإضافة إلى الشريط أو النشرة أو الكتيب مثلاً يضاف القنوات الفضائية المتعددة اللغات والصحافة المتطورة ، ومراكز الدراسات المتخصصة ... والمؤسسات التعليمية والخيرية المُحْكمة التخطيط مع التركيز على المشاركات الإعلامية وشبكة المعلومات والإسهام فيها بقوة،لأن مساحة الحرية فيها أوسع وجمهورها أكثر .