فهرس الكتاب

الصفحة 26243 من 27364

كان يطمح أن يكون غنياً ، فبدأ بالفعل ودخل عالم الفن ، وشق طريقه نحو الشهرة ، ولم تمض سنوات معدودة حتى نال ما تمناه من الشهرة والمال ،وامتلك واحدة من أكبر العمارات بمصر وهي عمارة"الايموبيليا"الشهيرة ، وتحقق ما كن يطلبه من الثراء ، وكلن بقي الشق الآخر مما كان يطلبه ، وهو السرطان ..فأبى الله عز وجل إلا أن يريه دلائل قدرته سبحانه ، ويلقنه - وغيره- درساً لا يُنسى أبداً .

ويُصاب بالسرطان كما كان يتمنى ، ويراه الناس واقفاً أمام عمارته الكبيرة هزيلاً باكياً يتمنى العافية ويردد متحسراً:"يا رب خذ مني كل شيء وأعطني الصحة والعافية"، وصدق اللهُ القائل: ( قتل الإنسانُ ما أكفره ) .

محدث حتى الموت

قضى حياته في طلب الحديث وتعلمه وتعليمه حتى صار إماماً في الحديث ... إنه الإمام أبو زرعة الرازي ، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد .. سيد الحفاظ في زمانه .

كان رحمه الله - كما ذُكر عنه - يحفظ مئتي ألف حديث ، كما يحفظ أحدنا ( قل هو اله أحد ) وذلك في زمن تعز فيه الوسائل .. فهل خذله الله عند الموت ؟

استمعوا إلى ما حدث له عند النزع ، وهو يصارح السكرات: فقد روى الإمام الذهبي رحمه الله ، عن وراق أبي زرعة ، قال حضرنا أبا زرعة وهو في النزع ، وعنده أبو حاتم ، وابن وارة ، والمنذر بن شاذان - وهم من أئمة الحديث - فذكروا حديث التلقين"لقنوا موتاكم: لا إله الله"، واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه ، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث ... فقال ابن وارة: حدثنا عاصم ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي ... وسكت . وقال أبو حاتم: حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ... وسكت ، والباقون سكتوا ، وذلك منهم استثارة لأبي زرعة رحمه الله حتى ينطق بالشهادة .

فقال أبو زرعة وهو في النزع الأخير: حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا عبد الحميد ، عن صالح ابن أبي عريب ، عن كثير بن مرة ، عن معاذ بن جبل ،قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:"من كان آخر كلامه ، لا إله إلا الله ، دخل الجنة"... ثم فاضت روحه (19)

إن القلوب كالإسفنج ، تتشرب ما وضع فيها ، حتى إذا ما امتلأت واحتاجها العبد في وقت شدته ، لم يجد إلا ما أودعه فيها من خير أو شر ، فهلا عقل ذلك أولئك الذين حشوا قلوبهم بالأغاني والترهات ، وحفظوها عن ظهر قلب ، قبل أن تُنتزع أرواحهم من أجسادهم عند الاحتضار ، فلا يقووا على قول كلمة الحق ؟

نعوذ بالله من الخذلان .

نهاية مؤلمة (20 )

في ليلة من ليلي الربيع المقمرة ، جلس مجموعة من الشباب الصالحين على كثبان الرمل في منطقة معروفة ، وبينما هم يتجاذبون أطراف الحديث إذ سمعوا صوتاً مفزعاً ، تبعه دوي هائل اشتعلت على إثره النيران ... نظروا باتجاه الصوت ، فرأوا ناراً تشتعل ... انطلق اثنان منهم مسرعين صوب النار حتى وصلا إلى الشارع العام ، فوجدا سيارتين محطمين إحداهما تحترق وقد أخرج منهما رجلان: أحدهما قد فارق الحياة ، والآخر ما زال يلفظ أنفاسه الأخيرة ... حملاه إلى أقرب مركز صحي أملاً في إنقاذه ، لكن الأجل لم يمهله ففارق الحياة وهم في الطريق ..

ليس هذا هو المؤلم ، فإن الآجال محدودة ، والأنفاس معدودة ، وقد اعتاد الناس سماع مثل هذه الأخبار والحوادث ؛ ولكن المؤلم أن اللذان لقيا حتفهما كانا ... مخمورين ... نعم ، مخمورين كما يقال - حتى الثمالة ... نعوذ بالله من ميتة السوء .

قال رسولُ ا صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يُقرُّ في أهله الخبث" (21)

حتى يأتيك اليقين (22)

نادرة تلك المواقف التي تمتزج فيها الدمعة بالبسمة ، يورق فيها شجر الحزن ، وتزهر فيها أزاهير السرور .. يختلط فيها نشيد الفرح بنشيج الحزن ..

جاء ذلك اليوم بيد أنه لم يكن كسابقه من الأيام ، جاء ليزف لنا البشرى ... بشرى رقيك وسموك ...

كم أرقَّه ذلك النداء:"لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" (23) .

كم من الاهتمامات ازدحمت في قلبك العليل: ابنك الصغير .. العائلة ميسورة الحال .. الوظيفة ... الدعوة ... الدعوة ... نعم إنها هي ، فلم نرك إلا سباقاً لها ..

كنت - فقط - تزرع أشجار العطاء ... تسقي أرضاً جدباء ، فتغدوا أرضاً مخضرة بإذن ربها ...

تبذر البذور على الصخور ونظرك لأعلى قد تعودت التفاؤل في السير على هذا الطريق المعشوشب بالأجر ..

همك سعاد الإنسان أينما ارتحلت ... وحيثما حللت ، ولا سعادة إلا بالإيمان ... كم قلب ضامئ أرويته ... كم روح تائهة في دياجير الأهواء كنت مناراً وفناراً لها .. لكن ! ما بال القلب ؟! أهو العطب ؟!

كان يقتات المعاناة جلداً ، ويحتسى مرارة الألم صابراً ، وتزيده صفاءً ونقاءً . .

أخبروه أن القلب عليل .. . بيد أنه لم يفتأ في التقاط أشلاء النفس المبعثرة ليجعل منها عبداً لبارئها ..

يتحسس حطام القلوب والأرواح .. يجمعها من جديد ليؤلف منها"صالحاً"بما تعني الكلمة من معنى ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت