فهرس الكتاب

الصفحة 26300 من 27364

فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .

أما في العصر الحاضر؛ فقد أصبح الاضطراب سمة من سمات هذا الزمن بسبب الابتلاءات والمحن، ومن هنا؛ فإن هذه القضية لا يمكن استيعابها من خلال إجابة عن سؤال في عدة أسطر، وإنما تحتاج إلى بسط وتفصيل وبيان، وقد شغلني هذا الموضوع طويلاً، ومن ثم قمت بكتابة مفصلة تبين أسباب الاضطراب وآثاره، وركزت فيه على موضوع الاطراد في المنهج، وبيان ثمار الاطراد وكيف يتحقق، وسينشر الموضوع قريباً بإذن الله؛ سائلاً الله التوفيق والسداد، والثبات على دينه في الشدّة والرخاء، وأن يجعلنا ممن قال فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] .

( البيان ) : المحن التي تصيب الأمة يرى فيها بعض الناس كل أبواب التشاؤم والإحباط، ويرى فيها آخرون طريق الفلاح والتمكين؛ فما رؤية فضيلتكم في ذلك؟

(*) المحن هي الجامعة الكبرى التي تُخرّج القادة والمجددين والمصلحين؛ حيث لا يتحقق التمكين إلا بعد الابتلاء، وقد سئل الشافعي ـ رحمه الله ـ: أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى (1) . قال ابن القيم: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ثم تلا قوله ـ تعالى ـ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] » (2) .

وقديماً قال ورقة لرسول ا صلى الله عليه وسلم: «يا ليتني فيها جذعاً أكون حياً حين يخرجك قومك!» ، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: «أَوَ مخرجيَّ هم؟» فقال ورقة: «نعم! لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً» (3) .

وقد بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن دخول الجنة مرهون بتجاوز المحن والبأساء والضراء، كما قال ـ سبحانه ـ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .

ولذلك قال أحد الدعاة المعاصرين ـ عندما سئل عما أصابه من بلاء ومحنة ـ: ألم تصدك هذه المحن عن الطريق إلى الله أو توهن من عزيمتك؟ فقال: لولا هذه المحن والابتلاءات لشككنا في طريقنا. وقرأ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] ، ومن هنا؛ فإن هذه المحن التي تصيب الأمة هي علامات الطريق للوصول إلى العز والكرامة والسؤدد؛ فإن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل (1) .

وقد يكون البلاء عقوبة على ذنب وقع من الأفراد أو الأمة، ومع ذلك فلا يخلو من خير إن تاب الناس وأنابوا، أما إذا تمادوا في ظلمهم فربما كانت القاصمة: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ نَ} [الأنبياء: 11 - 15] .

( البيان ) : من المحن التي تمر بنا هذه الأيام الحملة الأمريكية على العراق؛ فما أبعاد هذه الحملة؟

(*) الحملة الأمريكية على العراق حلقة من سلسلة الحملة الصليبية على الأمة الإسلامية، والتي ابتدأها الغرب النصراني بقيادة أمريكا في أفغانستان، ضمن مخطط مرسوم أعلنوا بدايته ولم يحددوا نهايته، لكنهم حددوا أهدافهم وغاياتهم مصداقاً لقوله ـ تعالى ـ: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت