فهرس الكتاب

الصفحة 26301 من 27364

وما يجري هو لون جديد من ألوان الاستعمار الصليبي؛ وذلك أن الغرب بعد فترة الاستعمار العسكري بدأ في مشروعات استعمارية مثل الانقلابات العسكرية، ثم إنشاء منظمات دولية تخضع في النهاية لإرادة الغرب، وكذلك التحالفات بين دول الغرب وحكومات العالم الإسلامي؛ سواء التحالفات الفردية أو الجماعية، ثم جاء النظام العالمي الجديد. ومع ما لعبته هذه المشروعات والصيغ الاستعمارية من دور مهم ومؤثر في تاريخ المنطقة؛ فلم يحقق ما ترجوه هذه الدول الاستعمارية، وحدثت أمور كثيرة على مستوى الدول والشعوب اعتبرتها الدول الغربية تجاوزات لا يجوز السكوت عنها، وتزامن هذا مع ضعف المنظمات الدولية وتأثيرها، ونشوء تكتلات جديدة، وقوى مؤثرة كالصين والكوريتين واليابان وغيرها؛ مما ينازع الغرب هيمنته وسلطته، وبخاصة بعد تنامي المدّ الجهادي في العالم الإسلامي، وسقوط المعسكر الشرقي بعد خروجه من أفغانستان خاسراً، بالإضافة لما أحدثته الانتفاضة في فلسطين من هزة عنيفة تجاه المخططات اليهودية خصوصاً والغربية عموماً، مما جعل الغرب بقيادة أمريكا يأخذ بزمام المبادرة؛ وذلك بإعادة الاستعمار العسكري القديم بثوب جديد لا يختلف عن سابقه إلا في المظهر والشكل، والحقيقة واحدة.

وما أعلنوه ليس إلا جزءاً يسيراً مما تخفي صدورهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] ، وحقيقة لم أستغرب أن ينهج الغرب هذا النهج، أو يسلك هذا الطريق؛ لأن هذا من بدهيات معرفة حقيقة اليهود والنصارى، كما بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه، وقد قيل:

تلك العصا من هذه العصية *** هل تلد الحية إلاّ الحية؟

وإنما مكمن الاستغراب أن يتجاوز بعض أفراد الأمة الغفلة عن هذه الحقيقة إلى الدفاع عن أولئك، وإنكار أهدافهم ومراميهم! وهل أُتينا إلا من داخلنا، وممن هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا؟!

( البيان ) : ولكن كيف يرى فضيلتكم الدور الذي يجب أن يقوم به العلماء والدعاة في مواجهة هذه الأزمة؟

(*) قناعتي أن المشكلة ليست في تحديد هذا الدور، ولا في بيان الطريق وسبل النجاة، فهي أوضح من الشمس في رابعة النهار، كما قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك..» (2) . وإنما تكمن المشكلة في السؤال الكبير: هل لدينا الاستعداد لمواجهة تلك المحنة؟ وهل الأمة على قدر المسؤولية؟ وهل نحن على استعداد للتخلي عن الدنيا وزخرفها، والتضحية بذلك في سبيل عقيدتنا ومبادئنا؛ لاستعادة مجدنا وعزتنا وسؤددنا؟

لقد سئمت الأمة من التنظير واجترار الكلمات، وآن الأوان أن نقبل التحدي بصدق ويقين وتفاؤل؛ فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد ذم الله القائلين ما لا يفعلون: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] ، وبيت القصيد ونقطة البداية والنهاية في الآية التي تليها: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] .

ونبراسنا الذي يضيء معالم طريقنا قوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] ، وإلا فهو الذل والصغار، و (على نفسها جنت براقش) .. «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (1) . وأقول بكل ثقة ويقين: إن المعركة مع الغرب محسومة لصالح الأمة ـ بإذن الله ـ والعدو يحفر قبره بيديه، {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ، ولكن الأمر يحتاج إلى خطة استراتيجية كبرى؛ نعي فيها أن في المعركة صولات وجولات، وكر وفر، قد تصاب الأمة بجروح وقروح في أولها، ثم يكون الانتصار العظيم في نهايتها؛ إذا صدقنا مع الله، وأخذنا بالأسباب الشرعية لذلك، {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: 140 - 141] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت