فهرس الكتاب

الصفحة 26302 من 27364

( البيان ) : يسعى بعض الكتاب والمفكرين إلى الاصطياد في الماء العكر، حيث يدفع في اتجاه التخويف من المناهج التعليمية، والكليات الشرعية، والمؤسسات الخيرية ... ونحوها؛ فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ وهل من سبيل للمحافظة على هذه المكتسبات؟

(*) دون تقليل أو استهانة بما يفعله هؤلاء؛ لماذا نحصر أنفسنا بالأزمات ؟ ولماذا ندع لخصمنا تحديد بداية المعركة ومكانها ومدتها؟ ولماذا لا نغزوهم في دورهم ومؤسساتهم؟ ومع أهمية تلك المرافق الحيوية وتأثيرها الضخم في حياة الأمة؛ فإنه يجب أن لا تنحصر جهودنا فيما يحدده لنا أعداؤنا.

إننا بحاجة إلى تغيير عقليتنا ومنهجنا واستراتيجيتنا في مواجهة تلك الأزمات، فَلِمَ لا نغزوهم قبل أن نُغزى؟ فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، ولماذا لا نشغلهم قبل أن نُشغل؟ يؤسفني أن كثيراً منا يقفون دائماً موقف المدافع، والسنة الكونية أن كل شيء متحرك.. إما أن يتقدم وإما أن يتقهقر، فمن لم يكن متقدماً فهو يقيناً في تأخر، ومن لم يربح فهو حتماً يحقق الخسائر الواحدة تلو الأخرى.

لقد أدرك عدونا سر ضعفنا ومكمن الداء فينا؛ فأشغلنا قبل أن نشغله، وهاجمنا قبل أن نهاجمه، وغدا ينقلنا من مصيبة إلى أخرى، ومن بلية إلى كارثة؛ دون أن نعي كيف نخرج من تلك الحلقات المفرغة، مسلِّمين بنقاط ضعفنا؛ مع أننا لم نبرز جوانب القوة فينا، ضخّمنا دور عدونا دون أن نعي أن الذل لا يفارق جباههم؛ وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؛ فنصرناهم على أنفسنا بقذفنا الرعب في قلوبنا، فشتان شتان بين أسلافنا الذين نُصروا بالرعب، وبين مَنْ قُذف في قلوبهم الوهن، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها..

ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر

إن من أعظم الخطط والاستراتيجيات في المعارك هو إيجاد البدائل تحسباً لأي طارئ؛ ولذا فإنني أتساءل: ألم نكن ندرك أن عدونا يتربص بتلك المؤسسات الرائدة ويحيك لها المؤامرات؟! فإن كانت الإجابة بالنفي فيا لها من مصيبة! وإن كان الجواب بالإيجاب فالمصيبة أعظم؛ فلِمَ لم نعدّ البدائل، ونقم المؤسسات التي تحمي أجيالنا وأمتنا؟ لماذا نضع البيض في سلة واحدة ثم نتحسر إذا تكسر؟ لماذا نبني حياتنا على ردود الأفعال في عالم يبني استراتيجيته الكبرى على المكر، وأخذ المؤمنين على حين غرة؟ فهل نفيق من سباتنا؟

( البيان ) : كان بعض المحللين يرى أن الصحوة الإسلامية سوف تتراجع وتنحسر كثيراً بعد الحملة الأمريكية على الإرهاب، وتشاءم كثير من الصالحين بسبب الضغوطات الكثيرة، ومع ذلك فانتصارات التيارات الإسلامية في الباكستان والمغرب وتركيا قلبت الموازين؛ فما تفسيركم لهذه الظاهرة؟ وهل من أمل يلوح في الأفق؟

(*) مَنْ هؤلاء المحللون؟ وما مستوى ثقافتهم؟ وإلى أي بلد ينتمون؟ ولحساب أي جهة يعملون؟ إنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد أصبحنا ننظر إلى كثير من الآراء التي تصدر من غير المتخصصين بنظرة الريبة والشك، والخطورة في تصديق بعض أصحاب الشأن لمثل تلك التحليلات التي لا تُبْنى على علم ويقين، وإنما هي مجرد ظن وحدس وتخمين. ومأساة أصحابها أنهم لا يفقهون حقيقة هذا الدين، وقد يكونون من المرتزقة المأجورين، وإلاّ فقد أثبت التاريخ أن الضربات التي تُوجَّه إلى الأمة لا تزيدها إلاّ صموداً وثباتاً، وهي وإن ترنحت أمام تلك المحن ساعات معدودة، ولأيام وشهور محدودة؛ فإنها سرعان ما تثبت على قدميها، مفاجئة أقرب الناظرين إليها، وهي وإن غابت عن الساحة لحظات؛ فإنما هي استراحة المحارب، وغفوة المجاهد.. {إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] ، تتلو ذلك صولات وجولات تحقق أعظم الانتصارات، ولو كانت هذه الصحوة تخضع للظنون والتحليلات لكبَّرنا عليها ـ منذ زمن ـ أربع تكبيرات، ثم ووريت التراب منذ سنوات، ولكن {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] .

( البيان ) : الواقع الدعوي وتشققه حتى في الاتجاه الواحد؛ إلى ماذا يعزوه فضيلتكم؟

(*) عندما لا يكون المصدر الوحيد لصهر النفوس البشرية وإخضاعها المطلق هو الكتاب والسنة؛ فحينئذ يكون للمؤثرات الأخرى نصيبها في بناء التوجه وتحديد المسيرة، فيكون للبيئة الاجتماعية سلطانها الذي لا ينكر، وللتربية الأسرية تأثيرها الذي لا ينازع فيه، وللمؤثرات البشرية الأخرى من سلطة أو جماعة أو مدرسة نصيبها في بناء الفرد وتكوين شخصيته، ويزداد الأمر سوءاً عندما تُكوِّن النفس البشرية ذاتها بذاتها، فتكون نفس الإنسان هي مربيته ومعلمته وقائدته؛ فيسير في دروب الانحراف وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت