فهرس الكتاب

الصفحة 26303 من 27364

ومن هنا؛ فبمقدار تأثير أي عامل من هذه العوامل تكون صياغة الإنسان، وتبرز ملامح طريقه وأهدافه، ولذلك عندما خضع الجيل الأول الذي تربى على يد المصطفى خضوعاً مطلقاً للوحي، وأسلموا قيادهم لمحمد دون منازعة أو حظوظ نفس، أو تأثير بيئة أو قبيلة أو مجتمع، كان ذلك الجيل الرائع الذي لم ولن يأتي مثله على مر التاريخ، وعبر السنوات والقرون.

وما أشرت إليه في سؤالك هو نتيجة طبيعية لتلك المؤثرات التي تُنازع الوحي سلطته وهيمنته؛ فمنهم مستقل ومستكثر.. {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

( البيان ) : هناك بعض طلاب العلم الذين همُّهم التنقيب عن عثرات العلماء وتكبيرها، والاشتغال بها عن العلم الحقيقي، بل يصل بهم الأمر إلى تجريح المخالفين ومحاولة إسقاطهم من أعين الناس؛ فهل من سبيل لعلاج هذه الظاهرة والتقليل من آثارها؟

(*) أخي الكريم! إنني أخالفك؛ فلا أعد هؤلاء طلاب علم إذا كان همهم التنقيب عن عثرات العلماء وتكبيرها كما ذكرت! بل يزداد عجبي من وصفك لهم بهذا الوصف (طلاب علم) ، ثم تقول: وهم منشغلون بهذه العثرات عن العلم الحقيقي! فأي علم يُحسبون عليه، أو يتشرفون بالانتماء إليه؟ وسؤالك يحمل السؤال والجواب معاً؛ فلو كانوا طلاب علم حقاً لما انشغلوا ببُنيَّات الطريق، وأكاد أجزم أن هؤلاء شغلتهم حظوظ النفس والهوى عن الانشغال بميراث النبوة وفهم الكتاب والسنة.

وهذه من أعظم البلايا التي ابتليت بها الأمة في قرونها المتأخرة؛ فعاقت مسيرتها، وشغلتها عن تحقيق أهدافها، ومما زاد الأمر سوءاً استمرار المعركة بين رادٍّ ومردود عليه؛ الأمر الذي جعل الناس في متاهة؛ لا يدرون أين يكمن الحق وأين يكون الباطل؟ ولن نستطيع أن نتخلص من هذه المحنة إلاّ بالتجرد المطلق، والصدق مع الله، والابتعاد عن حظوظ النفس، وإقامة ميزان العدل والقسط على النفس أولاً قبل أن ندعي إقامته على خصومنا ومخالفينا؛ التزاماً بقوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] .

ومما يحز في نفوس المؤمنين عدم وصولنا في العدل والقسط مع من خالفنا الرأي، إلى ما أمر الله به من عدل مع المشركين الذين أخرجوا صلى الله عليه وسلم من مكة وصدوه عن المسجد الحرام، فقال ـ سبحانه ـ: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [المائدة: 2] .

وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .

ولنكن صرحاء مع أنفسنا: هل عدلنا مع من يخالفنا من إخواننا كما أمرنا الله بالعدل مع أعدائنا؟ أين الرحمة بالمخالف والدعاء له، وإظهار الشفقة عليه؟ مأساة بعضنا أنهم يشكون الظلم وهم يمارسونه صباح مساء، ثم يدّعون أنهم البرآء براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، فخير لهم أن يراجعوا أنفسهم، {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} [محمد: 21] ، خيراً لنا أن نصحح ما بأنفسنا قبل يوم الفصل {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9] ، ويُحصّل ما في الصدور.

من السهل اتهام الآخرين وقد يكونون أهلاً لذلك، ولكن من الصعب الاعتراف بالحقيقة والتجرد عن الهوى إذا كان الأمر يتعلق بأنفسنا وذواتنا.

( البيان ) : تشهد الصحوة الإسلامية انتشاراً محموداً ـ ولله الحمد والمنة ـ، ولكن ألا يرى فضيلتكم أن هناك قصوراً ظاهراً في توظيف الطاقات واستيعابها لخدمة الأمة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت