فهرس الكتاب
(*) نعم! هناك قصور واضح وظاهر في استخدام المكاسب التي حققتها الأمة في سنواتها الأخيرة متمثلة في هذه الصحوة المباركة، ولولا ذلك لكنَّا قاب قوسين أو أدنى من قيادة الأمم، ومع ذلك؛ فلا أرى أن نضيع الأوقات في البكاء على الأطلال، والنياحة على ما مضى وفات؛ فإن ذلك لن يزيدنا إلا تقهقراً وتأخراً، وإنما أدعو إلى سرعة المبادرة واغتنام الفرصة، واستخدام ذلك التفريط قوة دافعة إلى الأمام؛ فإن المؤمن لا يُلدغ من جحر واحد مرتين، وليست العبرة كيف كنا؟ وإنما المهم كيف نكون؟ وكم أتمنى أن نستفيد من بعض ما لدى أعدائنا من نقاط القوة والتمكن، فقد استطاعوا أن يسيطروا على أماكن كثيرة من المعمورة، مع أنهم أصحاب أهداف دنيوية، وما ذاك إلاّ لأخذهم بالأسباب التي حققت لهم ما يصبون إليه وما يريدون، ونحن أصحاب دين ودنيا حري بنا أن نأخذ بأسباب النجاة والسؤدد.. {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 201 - 202] .
( البيان ) : الواقع الدعوي يشهد منذ زمن تشققاً حزبياً وصراعاً مؤلماً في وقت تحالف فيه العدو لمواجهتنا؛ فهل من سبيل لإصلاح ذات البين؟ أو على أدنى الأحوال لكف الأذى بين العاملين في الحقل الدعوي؟
(*) مرت الأمة في تاريخها بمراحل من التعصب والتحزب، فبعد القرون المفضلة نشأت الفرق البدعية، كالمعتزلة والخوارج والجهمية وغيرها من الفرق المعروفة التي أحدثت شرخاً في جسم الأمة، ثم بعد ذلك نشأت مرحلة أخرى؛ وهي مرحلة التعصب المذهبي واستمرت قروناً عديدة، وكان لها من الآثار السلبية ما لا يخفى، ثم في هذا العصر بدأت الجماعات والتنظيمات الدعوية، والتي لا تُنكر جهودها في مقاومة الاستعمار، والمحافظة على دين الأمة وتربية أجيالها، ولكنها ـ للأسف ـ وقع كثير منها في التعصب المقيت الذي فرَّق الأمة شيعاً وأحزاباً، ثم بدأ في السنوات الأخيرة التعصب للأفراد، وضعف تأثير الجماعات؛ فكانت المصيبة أشدّ وأنكى، وهذا وإن كان قدراً كونياً، كما أخبر الصادق المصدوق r في حديث الافتراق؛ فإن الواجب على الأمة أن تتعامل مع هذا القَدَر الكوني بالقَدَر الشرعي؛ وهو وجوب جمع شمل الأمة وتوحيد كلمتها امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] ، مع التحذير من التفرق والتشتت نظراً لما يؤدي إليه التنازع والخلاف، قال ـ تعالى ـ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .
وأنبه هنا إلى أن الاختلاف الذي أشرت إليه في سؤالك على نوعين:
النوع الأول: من قبيل اختلاف التضاد، وذلك عندما يكون الاختلاف في المنهج، وهو موطن الخطورة الذي يُخشى على أصحابه من أن يكونوا داخلين فيما حذر منه النبي في حديث الافتراق، وهذه مسألة يغفل عنها كثير من أصحاب التنظيمات والجماعات.
النوع الثاني: وهو ما يكون من اختلاف التنوع، وذلك عندما يكون الاختلاف في وسائل مشروعة لا في المنهج، أو من باب اختلاف ما يناسب الأماكن والبلدان؛ فهذا الاختلاف لا تثريب على أهله، ولكن الخطورة نشأت فيما دخل على تلك الجماعات من أمور غير مشروعة؛ كالتعصب، والتحزب، والتنابز، وافتعال العداوات، وجَعْل مسائل الاجتهاد ميداناً للولاء والبراء.
ومع أهمية التعامل مع كل تلك الجماعات والأحزاب بنوعيها وفق منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع المخالف والموافق، وإنزال كل واحد منزلته مع البعد عن البغي والظلم والعدوان؛ فإنني أتطلّع إلى مرحلة جديدة تتجاوز فيها الأمة هذا الواقع المرير؛ وذلك بأن يقوم العمل الدعوي على طرح المنهج الحق والدعوة إلى العلم بدلاً من الجماعات والأحزاب؛ مع التنبيه إلى أن الخلل ليس في الاجتماع والترتيب والانتماء؛ فهذه أمور مشروعة إذا تخلصت من بدعيات التجمعات المحدثة، وهناك فرق بين الأمرين. وإنما الخلل فيما يفعله بعض ممن يخلطون بينهما لنقص فقههم وعلمهم؛ فتجدهم يحملون على أصحاب التجمعات والتنظيمات لمجرد التجمع والتنظيم والانتماء، فوقعوا في شر مما حذروا منه؛ إذ أنشؤوا مجموعات وتكتلات حزبية متعصبة نسبوها إلى السلف ظلماً وزوراً.