فهرس الكتاب
فالآن حصحص الحق وبان لذي عينين أن هذه الدويلة الصليبية دويلة مجرمة تؤوي من المجرمين ما يكفي لأن تفوح منهم الأرض كلها نتناً وأذى، ولا حجة لأحد من المتفلسفين والمتشدقين أن يدعي أن هذه أقوال فردية لأن أتباع هؤلاء ومستمعيهم بالملايين كما أننا أشرنا ولو بإيجاز إلى طبيعة العلاقة الوثيقة بين هؤلاء المنظِّرين في الواقع وبين أركان الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى كل حال فما هذه إلا واحدة من سلسلة من الجرائم التي نمضي في استعراضها إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: جريمة الاستكبار والاستعلاء بغير الحق:
ولا أحسب أنني بحاجة إلى إقامة أدلة على نزعة الاستعلاء والاستكبار بغير الحق التي تسيطر على الولايات المتحدة، إذ أن علم هذا مستفيض بين الناس كما أن كفر إبليس وإيمان جبريل وميكائيل مستفيض بينهم لا يفتقر إلى استدلال. ومع ذلك نشير إلى بعض الملامح العامة التي تؤصل لهذه الجريمة، فأنت إذا تأملت العملة الورقية الأمريكية (الدولار) فئة الدولار الواحد وجدت في أحد أطرافها عبارة لاتينية33 تعني"النظام العالمي الجديد"، وهو نفس الشعار الذي أطلقه الرئيس السابق للولايات المتحدة جورج بوش الأب في سياق حملته المسعورة ضد العراق في حرب الخليج الثانية، وتمثل هذه العبارة الموجزة حقيقة وجود الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الوجود الذي قام منذ بدايته على أنقاض شعب بأكمله ذبحتهم آلة الاستيطان الأمريكية لتمحو من على وجه قارة بأكملها شعباً كان يسمى بالهنود الحمر فإذا ببقايا بقاياهم اليوم أعداد تافهة في مستعمرات أقرب إلى حظائر البهائم منها إلى ديار البشر، وبعد جريمة الإبادة هذه التي كانت حصيلتها بالملايين ظهرت نزعة استعلاء أخرى تمثلت في استعباد واسترقاق ملايين الأفارقة السود - وكثير منهم من المسلمين - ليكونوا آلة الحرث التي تسوى بها البلاد وكير الحدادة الذي تؤسس به صتاعاتها، ثم لم تلبث أن مدت الولايات المتحدة الأمريكية أذرع الاستكبار الأخطبوطي عبر العالم لاستنزاف ثروات الشعوب ونهب خيراتها والعبث بمصيرها، فما من منطقة في العالم قد سلمت من حرب أو آثار حرب أمريكية، وخذ على سبيل المثال لا الحصر بعضاً من الحروب الدامية التي لوثت بها أمريكا يديها في القرن العشرين: الحرب الأمريكية الإسبانية (1898) ، والحرب الأمريكية الفليبينية ( 1899) ، والحرب الأمريكية الصينية (1900) ، والحرب العالمية الأولى ( 1917-1918) ، والحرب العالمية الثانية ( 1941-1945) ، والحرب الكورية (1950-1953) ، والحرب الأمريكية الفيتنامية ( 1961- 1973) ،وحرب الخليج الثانية ( 1991) ، الحرب العدوانية على إمارة أفغانستان الإسلامية (1991- لم تنته ) ، والحرب العدوانية الهمجية على العراق ( 2003 - لم تنته ) ، وغير هذا كثير مما من شأنه إثبات طبيعة المد التوسعي الذي تمضي الولايات المتحدة في سبيله. ولو أنه كان توسعاً يبث الخير والرفاهية والعدالة بين الناس لكان أمراً ذا شأن، ولكنه لم ولن يكون يوماً كذلك، وهذا مجرد نموذج بسيط من الامتداد التوسعي والطمع الشره والنهم الذي لا يمكن إشباعه لهذه الدويلة المارقة، ولو أن المرء استطرد في سبر كل هذه الجرائم لما أسعفه الوقت ولأضناه الجهد، وحسبنا الواقع المشاهد من تصريحات القيادة الأمريكية الحالية لنقف على خطورة الأمر، فقد سمع العالم أجمع تصريحات المتعجرف الصغير في سياق حملته المسعورة على ما سماه الحرب ضد الإرهاب حيث أنطق الله لسانه ليفصح عن القيح المحتبس في صدره ويعلنها حرباً صليبية ولا يدع للناس خياراً سوى الانضواء تحت راية الولايات المتحدة أو اعتباره عدواً لها.
يمكننا إذاً أن نلخص سيرة هذه الدويلة في ثلاث مراحل: إبادة شعب وسرقة أرضه، ثم استرقاق شعب للقيام ببناء هذه الأرض، ثم الهيمنة على باقي شعوب العالم لضمان رفاهية وأمن هذه الأرض. وهل هذه إلا سيرة المستعلين في الأرض المتكبرين بغير الحق؟ وهل أدل على هذه الروح الاستكبارية من ذلك الصلف والإعراض المطلق عن أي كلمة نصح أو تنبيه أو دعوة تأني أو دعوة إلى دين الإسلام، فإذا بالولايات المتحدة تضرب بذلك كله عرض الحائط وتمضي بصلف وكبر فرعون لسان حالها يقول أنا ربكم الأعلى.
وإن الله تعالى قد أمهل فرعون ومد له مداً حتى إذا قال فرعون قولته الآثمة:"فقال أنا ربكم الأعلى"34 كان أخذ الله تعالى له أخذ عزيزٍ مقتدر:"فأخذه الله نكال الآخرة والأولى"35، فلننظر إذاً كيف سلط القرآن الكريم آياته المحكمة القاطعة الفارقة بين الحق والباطل ليُجرِّم كل مستكبرٍ مستعلٍ في الأرض بغير حق:
فقد قال تعالى:"وقالوا مهما تأتنا به من آيةٍ لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم آياتٍ مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين"36،
وقال تعالى:"ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون ومَلَإه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين"37،