فلما مات أبو بكر (رضي الله عنه) أعلن أهل الحل والعقد قبولهم بعمر - مرشح أبي بكر (رضي الله عنه) - لهذا المنصب، فبايعوه ليبايعه عامة الناس من ورائهم، وبهذه البيعة انعقدت الخلافة شرعًا لعمر (رضي الله عنه) وليس بمجرد ترشيح أبي بكر له، فخطب بالناس خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، وكان مما قال فيها:
"أيها الناس من رأى في اعوجاجًا فليقومني..."
ويرد عليه واحد من الجمهور أمام الناس فيقول:
"والله يا ابن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا!".
فكان يحض الناس ويشجعهم ويفتح لهم الباب للتدخل لتقويمه وإصلاح خطأه
فمن إذن صاحب الأسبقية في حكم الشعب وأبناء الأمة ؟؟؟؟؟؟؟
الإسلام أم الغرب ؟؟؟؟؟؟؟
(( (( (( (( من المؤكد أن البشرية آنذاك لم تكن قد عرفت مجالس الشورى المنتخبة ذات الصلاحية الرسمية لمحاسبة الرئيس إذا ظهر منه اعوجاج عن الدستور المنظم لمصالح البلاد، ولو كانت موجودة وقتها لسارع عمر رضي الله عنه لأسلمتها لحماية دستور الأمة الإسلامية
(الشريعة المستقاة من القرآن والسنة الصحيحة..)
من استبداد أمير أو حتى سهوه وخطأه غير المتعمد، حتى ولو كان ذلك الأمير هو عمر نفسه رضي الله عنه، فما أحرصه وأغيره على هذه الأمانة العظيمة - هذا الدين الحنيف )) )) )) )) )
والخليفة العادل عمر بن الخطاب هو الذي قام بأسلمة نظام الديوان الفارسي وطوعه لخدمة الإسلام والمسلمين.
وهو الذي ردت عليه امرأة رأيه وهو فوق المنبر أمام الناس، فلم يجد في نفسه غضاضة بل قال أمام الملأ:"أصابت امرأة وأخطاء عمر"وتراجع عن رأيه.
وكان عمر رضي الله عنه إذا عصى أمامه أمر لم يجده في الكتاب والسنة، جمع له أصحاب صلى الله عليه وسلم وجعله شورى بينهم!.
ومن شدة حرصه على مصلحة الأمة
حين أراد أن يرشح لهم خليفة - ولم يجد واحدًا مميزًا جدًا يعلم أن الأمة ستجتمع عليه- فيسميه ويرشحه للخلافة من بعده، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه
فاختار من الصفوة ستة، رشحهم لهذا المنصب، ولم يكتف بذلك بل وسنَّ لهم أول نظام عرفه العالم في انتخاب الرئيس
(( (( (( (( (( (( (( وذلك قبل ظهور ديموقراطية أوروبا بأكثر من ألف عام، ففي ذلك الوقت ما كانت تعرف البشرية هذه الانتخابات، وكان للفرس ملك(شاه) يدعى كسرى، وكان للروم ملوك هم القياصرة يتوارثون الملك ويستبدون بالشعوب بلا رقيب ولا حسيب ولا دستور ضابط أو مرجعية تحسم الخلاف. )))) )) )) )) )) ))
وكان للإسلام دستور هو القرآن والسنة ومرجعية هم العلماء الذين يستنبطون الأحكام من القرآن والسنة وفق منهج بينه لنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام
قال تعالى:
{"وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } 83- النساء."
الذين يستنبطونه هم العلماء، فأولو الأمر ليسو فقط الأمراء بل هم الأمراء والعلماء، وهي بصيغة الجمع كناية عن أهل الحل والعقد، فلم يقل سبحانه إلى الأمير أو إلى الخليفة بل قال:"وإلى أولي الأمر منهم"، وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 59- النساء،
ففي الشطر الثاني عند ذكر النزاع لم يذكر ولاة الأمر لأنهم قد يكونون طرفًا في النزاع فإلى من يرد الأمر عندها؟
إلى الله والرسولل، ومن يستنبط حكم الله والرسولل؟
هم العلماء
ومن يفصل في النزاع إذا كان ولي الأمر طرفًا فيه؟
هم القضاة وهذا وقع في تاريخ الإسلام عدة مرات لما كانت الأمة في عافيتها.
وجد عمر أن الستة يمكن أن يصيروا ثلاثة مقابل ثلاثة!!!!
فحتى يحسم نتيجة الانتخاب بوضوح رشح ابنه عبد الله - ليس لأنه ابنه فجمع الناس يعرفون قدر عبد الله بن عمر - رشحه كعضو في هذا المجلس، ولكن أعطاه حق التصويت فقط ولم يعطه حق الترشيح، فليس لعبد الله بن عمر أن يرشح نفسه بل له فقط أن يعطي صوته لأحد المرشحين إذا تساوت الأصوات، والعبرة هنا ليس بتحديد العدد بل بالفكرة التي أحدثها عمر في الإسلام على أسس الإسلام خدمة لمقاصده، فأقر مبدأ التشاور والترشيح والتصويت والانتخاب
بل وزاد على ذلك أن كلف إحدى القبائل بمحاسبة أعضاء هذا المجلس إذا هم أخفقوا في التوصل إلى حل في مدة ثلاثة أيام، وقال لهم أن يقتلوا كل هؤلاء المرشحين إذا لم يتوصلوا إلى حل ويتفقوا بعد ثلاثة أيام. وأعود فأقول ليست العبرة هنا بالمدة التي حددها عمر رضي الله عنه ولا بنوع العقوبة، بل بالمبدأ الذي أقره، وأقره عليه الصحابة بقبوله وتطبيقه وفق فهمهم لمنهج النبوة الذي كانوا على عهد قريب به، وهو محاسبة أولي الأمر وأهل الحل والعقد بالإضافة إلى موضوع الانتخاب.