فهرس الكتاب
سلك رجال السّياسة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة منهج رجال الدّين الإنجيليّين. فهذا النّائب توم ديلي يقول في أكثر من مرّة عندما كان يتولّى منصب زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب إنه يتعين دعم الحرب ضد العراق لأنها"البشير الذي يسبق عودة المسيح إلى الأرض ويفسح المجال لحدوثها".
وقال الجنرال بويكن قائد العمليات السرية في الجيش الأميركي في العديد من المناسبات:"إنّ الحرب التي تشنّها الولايات المتّحدة ضدّ ما تصفه بالإرهاب هي صراع بين القيم المسيحيّة اليهوديّة والشّيطان"، وقال:"هي حرب ضدّ عدوّ اسمه الشّيطان". وقال:"المتطرّفون الإسلاميّون يكرهوننا لأنّنا أمّة مسيحيّة، ولأنّ أساسنا وجذورنا تنبعث من القيم اليهوديّة المسيحيّة". وقال:"إنّ الرّئيس بوش تولّى منصب الرّئاسة في البيت الأبيض لأنّ الله اختاره لتولّي ذلك المنصب". وقال في كلمة بإحدى الكنائس عام 2002 وهو يرتدي الزيّ العسكريّ الأميركيّ"إننا جيش الله، في بيت الله، وقد أقيمت مملكة الله لمثل هذه الأوقات التي نعيشها".
لقد استخدم غلاة المحافظين الجدد، صقور الحرب وصدام الحضارات، وأصحاب مشروع"محور الخير"مصطلح"الإسلام الفاشي"وبدؤوا يروّجون له، لغرض تزييف صورة الإسلام وتشويهه وبثّ الرّعب في نفوس الأمريكيّين خاصة والغرب عامّة لأنّه يريد أن يصوّر أنّ المسلمين هم فاشيّون جدد. ولقد صدر ذلك عن الرّجل الأمريكيّ الأوّل، كما صدر عنه أنّه يقود الحرب الصّليبيّة المباركة والمؤيّدة، وتزامن مع ذلك حملات سبّ النّبئ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والإساءة إليه، والنّيل من الإسلام وحضارته... ورغم كلّ ما صدر عن بوش فإنّ صديقه فرانكلين جراهام الممثل للتيّار اليميني الأكثر محافظة في أمريكا صرّح لهيئة الإذاعة البريطانية ( بي . بي . سي ) يوم الاثنين 19 نوفمبر 2001م قائلا:"إنّ بوش لا يقول الحقيقة لأنّه كان يجب عليه أن يقول أكثر من الذي قاله".ولقد آتّسعت تلك الحملة لتشمل كافّة بلاد الغرب، فهذا هيرت فيلدرز، وهو سياسيّ يقود حزبا يمينيّا هولنديّا يقول:"إنّ المسلمين يجب أن يتخلّصوا من نصف القرآن إذا أرادوا البقاء في هولندا، وأنّه يحوي أشياء فظيعة، وانّه كان سيطارد رسول الإسلام إلى خارج البلاد لو كان حيّا الآن".
ويكفي ما ذكرنا من تصريحات الكراهيّة والإساءة للإسلام والتّهجّم على كتابه ورسوله والمسلمين، ولقد صدرت من زعماء السّياسة والكنيسة والثّقافة، ووظّفوا لها كلّ حدث هامّ للحشد النّفسيّ العالميّ، ولو كان رياضيّا تشريكا للجماهير الكرويّة المليونيّة في تلك الحرب، فلقد صرّح مسئول سياسيّ إيطاليّ كبير في نهاية كأس العالم الأخير الذي دار في ألمانيا أنّ فريقه الإيطاليّ انتصر على الفريق الفرنسيّ المتألّف من الأصوليّين والملوّنين الأجانب، إشارة منه إلى المسلمين والسّود!!!
الإمبراطوريّة الأمريكيّة بين هزيمتها وقطع الطّريق أمام المسلمين:
لقد أدرك قادة الغرب قرب هزيمة هويّتهم القائمة على ركني الدّيمقراطية الفاشلة، والنّظام الاقتصادي الرّأسماليّ البائس، واحتمى العلمانيّون بالمسيحيّة الصّهيونيّة في تحالف نصرانيّ يهوديّ ليشكّل أكبر قاعدة مساندة للمصالح المؤيّدة ل"إسرائيل". إلاّ أنّه يجب أن يعلم أنّ هذا العلوّ الإمبراطوريّ الأمريكيّ الهائج يحمل في طيّاته كلّ عوامل الهزيمة، ولذلك تعمل تلك الإمبراطوريّة على قطع الطّريق أمام انتصار الحضارة الإسلاميّة المرتقب، فعملوا على السّيطرة على المسلمين مباشرة بعدما عجزت أنظمة السّلخ والتّبعيّة والتّجزئة على تحقيق تلك المهمّة المستحيلة، فقادت بنفسها حربا"صليبيّة"عالميّة"مقدّسة"، على غريمها اللّدود"الإسلام"تحت مسمّى الحرب على"الإرهاب".
فالحاصل، أنّ الأمريكيّين قد أظهروا معاداتهم للإسلام وللمسلمين من أكثر من وجه، وفي صور كثيرة عبر الاحتكار في كلّ صوره:
ـ من خلال التّدخّل في عقائدنا ومناهجنا، وفرض إسلام أمريكيّ يتساوق مع علوّهم وكبريائهم حتّى يصير ديننا لا يتقاطع مع مصالحهم ولا يقاوم أو يردع عدوانهم.
ـ من خلال تحكّمهم في أنظمتنا السّياسيّة وآختراقهم لمؤسّساتنا الأمنيّة ومساندتهم لهما بل دعمهما لآستئصال الخارجين عن تلك الأنظمة اللّاشرعيّة.
ـ من خلال تحكّمهم في أنظمة عيشنا وحياتنا وثقافتنا ولغتنا وإعلامنا تحت مسمّيات الحداثة والعولمة والإنسانيّة وغيرها من الزّور والباطل.
ـ من خلال تحكّمهم المعرفيّ، عبر احتكارهم مفاتيح المعرفة والعلوم وأسرار التّّقنية والبحث العلميّ و تقانة السّلاح خاصّة.
ـ من خلال تحكّمهم الماليّ وإخضاع هذه الأنظمة العربيّة التّابعة لشروط الصّناديق الرّأسماليّة الدّوليّة، وفرض منهجهم الإقتصاديّ وتفرّدهم التّجاري، ومن خلال آفتاك النّفط والخامات الأخرى بحثا واستخراجا وتصنيعا وتسعيرا.
ـ من خلال احتكار الشّرعية الدّولية عبر ما يسمّى الأمم المتّحدة بتطبيق معايير مزدوجة و إهمال حقوق ما يقارب المليار ونصف من المسلمين.