فهرس الكتاب

الصفحة 3162 من 27364

أحب أن أتوقف هنا قليلاً، عند (وضعيات المرأة الاجتماعية) بصورة عامة في المجتمعات العربية، والتي يغلب عليها الرغبة في عزل النساء بسبب العرف الاجتماعي، أو بسبب سيادة الفهم السلفي للدين، ومن أبرز الذين ناقشوا هذه المسألة باستفاضة جريئة، الشيخ محمد الغزالي الذي استنكر أن يتم التعامل مع المرأة"كبندول الساعة، إلى أقصى اليمين تارة، وإلى أقصى اليسار تارة أخرى، ولا يستقر مطلقاً عند الحد الوسط الذي يطلبه الإسلام" (22) .

ويحمل الغزالي في كتابه"السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"على بعض علماء الدين، ممن يصفهم بأنهم"يكرهون وجه المرأة، ويحمّلونها مسؤولية خروج آدم من الجنة، كما زعم اليهود في كتبهم، ويرون الدين إمساك النساء في البيوت حتى يتوفاهن الموت". ويرى أن"هؤلاء العلماء القاصرين لو كانوا على عهد الرسول (ص) ، لطالبوه بطرد السيدتين اللتين حضرتا بيعة العقبة الكبرى، وقالوا له: ما للنساء وهذه الشؤون، ولو كانوا موجودين عند فتح مكة لقالوا له: حسبك بيعة الرجال، ولو كانوا مع نبي الله سليمان وهو يكتب خطابه لبلقيس {أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} لقالوا له: عدل هذه الصيغة فإنها تعترف بتوليها منصب الملك، اكتب بعزلها أولاً ثم تفاهم مع الرجال وحدهم" (23) .

ويساعد على تأكيد هذا المنحى الانعزالي دور المرأة المحوري في تعميق الروابط الأسرية، إذ تتكفل المرأة عادة بإشاعة حالة من الدفء الأسري الضروري لاستمرار مؤسسة الأسرة فاعلة ونشطة، لكنه في الوقت ذاته يؤدي إلى استهلاك جل وقتها في ميدان"الخدمة المنزلية"و"الخدمة الزوجية"، ولا تزال فكرة تنظيم الوقت، وخلق حالة من التوازن بين دور المرأة الأسري الخاص، وبين دورها الاجتماعي العام، من الأمور الغائبة بصورة شبه تامة.

إلى جانب استثناء أو عطالة هذا القطاع النسائي الكبير، يُستثنى قطاع آخر لا يقل أهمية وهو قطاع"الطالبات"، ومع العلم بأن دور الطلاب لا يزال غائباً في العملية التنموية بصورة عامة، فإن هذه الهامشية تتضاعف في أوساط الطالبات، وهو ما يمكن أن ينتهي بنا إلى تحصيل نتيجة بالغة السوداوية، مؤداها"موت المرأة"، أي فقدان مساهمة قطاع كبير من النساء في العملية التنموية، وقد يروق ذلك لبعض التوجهات الدينية المتشددة، والتي تلتقي مع العادات والأعراف الاجتماعية التقليدية، التي تنظر بازدراء إلى مشاركة المرأة في الحياة العامة.

لكن أمام هذا البعد السلبي لتأثيرات العولمة على وضع المرأة الاجتماعي، فإن العولمة تقدم من جانب آخر خدمة غير مسبوقة لتحسين وضعها الاجتماعي، ولو أحسنت المرأة الاستفادة من هذه المعطيات فسيكون بإمكانها أن تبدل الصورة المنطبعة عنها تماماً.

فلقد بدأت بعض الأفكار التي تخدم وضع المرأة بالتسلل، بفعل"الاتصال الكوني"بين شعوب العالم، وعملت هذه الأفكار على تعزيز مكانة المرأة إلى جانب الرجل، حيث ساهم تسليط وسائل الإعلام على فاعلية المرأة الغربية، ووجودها في كافة الحقول المعرفية والعلمية والصحافية والسياسية، على تحسين نظرة المجتمعات العربية والإسلامية للمرأة، وزيادة ثقتها بإمكانية بل وضرورة أن تضطلع المرأة المسلمة بأدوار إيجابية وفاعلة كنظيرتها الغربية، دون أن يستدعي ذلك التنازل عن القيم الدينية والمبادئ الاجتماعية السليمة.

والأمل معقود على عدد من المجتمعات، التي استطاعت المرأة فيها أن تنقل بعض التجارب الكونية إلى الواقع المحلي، فكانت أكثر إصراراً من أي وقت مضى على تسجيل حضورها في مختلف الأنشطة، والنزول إلى ساحة الإنتاج والتعبير عن معاناتها بصوت مسموع، والاستفادة من تقنيات الاتصال الحديثة والتطور التكنولوجي المتسارع.

* تأثير العولمة على الوضع الثقافي للمرأة

اتصالاً بما سبق، يمكن القول: إن تحسين الأوضاع الاجتماعية للمرأة، يمكنه أن يساهم في دفع العملية التنموية في العالم العربي بمختلف أبعادها، ولنا أن نتفاءل إيجابياً مع حركة الضغوط المتواصلة في هذا الجانب، رغم جملة العوائق التي عرضناها آنفاً.

المهتمون بشؤون العولمة (24) في العالم العربي، يعتقدون أن"التحدي الثقافي"هو من أبرز تحديات العصر، مما يضع التنمية الثقافية على رأس المهام التنموية، التي ينبغي للمعنيين من مهتمين وبحاثة وعلماء، إيلاؤها الاهتمام المناسب بها.

هذا الاهتمام يتراوح في عرف المفكرين العرب، بين الدعوة إلى إحداث قطيعة معرفية تامة مع العولمة، لما تسببه من أخطار داهمة، قد تعصف بالثقافة العربية والإسلامية، وما بين الافتنان بالثقافة الغربية، والعمل على التماهي معها بصورة كاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت