إن خطورة أي من وجهتي النظر السالفتين، تتبين من خلال معرفة النتائج التي يريد علماء العولمة بلوغها، فهم في المجمل يتحركون لبسط مفهوم الثقافة بالمفرد، وما يلازم ذلك من فرض قيم تلك الثقافة الواحدة على الآخرين، وإلغاء الخصوصيات الثقافية أو التنكر لها، وإن لم تخلُ الساحة الغربية من أقلام جادة وناقدة، حذرت من خطورة هذا التنميط الثقافي، وأكدت على حقيقة وجود ثقافات متعددة، مثل"زيجمونت بومان"عالم الاجتماع الثقافي البريطاني الجنسية، ومثل"نعوم تشومسكي"عالم اللغويات الأمريكي الجنسية.
ولا شك أن عولمة الثقافة بمعنى إلغاء كافة الثقافات غير الغربية أو غير الأمريكية تحديداً، يثير مخاوف متصاعدة عند كافة الأطراف الأخرى، ويترتب على تلك المخاوف إعاقة مجهودات التنمية العالمية، وسيادة حالة من الترقب والرغبة في إنزال أكبر قدر من الإضرار بالثقافة المهيمنة (صراع الثقافات) ، وهو دفاع متوقع ومشروع عن الهوية والذات، في المقابل فإن منهج القطيعة يبدو متعذراً إلى درجة المحال، لاسيما وأن"حقائق الواقع العالمي"تشير إلى هيمنة غربية - أمريكية بالخصوص، على التقنيات الحديثة المصدرة للبرامج والمواد الثقافية والترفيهية (كتب - أفلام - سينما - برامج تلفزيون) ، وفي الوقت ذاته تتحدث إحصاءات منظمة اليونسكو أن ثلث إجمالي البث في سوريا ومصر، ونصف البث في تونس والجزائر هو من البرامج المستوردة.
وفي سياق الهم الثقافي في عصر العولمة، تبرز بقوة مشكلة تضاؤل الاهتمام بالمسألة الثقافية في العالم بصفة عامة، فمن بين الأبواب الخمسة لحقوق الإنسان، الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والمدنية، حظيت الحقوق الثقافية بالقدر الأقل من الاهتمام، فلجنة حقوق الإنسان لم تتبن أول قرار لها عن الحقوق الثقافية إلا في عام 2002م، ومحوره"تشجيع تمتع الجميع بالحقوق الثقافية، واحترام الهويات الثقافية المختلفة". وظلت الحقوق الثقافية في نظر الكثيرين كماليات يتم التوجه لها بعد إحقاق الحقوق الأخرى (25) .
وسعياً لتحقيق التنمية في العالم، ركّز المهتمون بالقضايا التنموية على البعد الاقتصادي، لخدمة المعوزين ورفع الفقر والحرمان، وتحركت الجهود لتنمية الديموقراطية، وإحقاق حقوق الإنسان، وتوسعة المشاركة السياسية، ودعم التوجهات التنموية في مجالي الصحة والتعليم، لكن هذه الجهود لم تضع الكثير من الرؤى حول حق الناس في الحفاظ على هويتهم الثقافية، وحقهم في العيش بكرامة وعدالة مهما كانت اختياراتهم الثقافية، وقد عبَّر تقرير التنمية البشرية الأخير عن قلقه من فقدان الإنسان لاحترام تقدير الآخرين، أو الاستبعاد لمجرد انتمائه وهويته الثقافية.
وفي سبيل تعزيز هذه الحقوق، تصدى التقرير (26) لتفنيد عدد من الخرافات التي تتخذ كمبرر لعدم الاعتراف والاعتناء بالهويات الثقافية المختلفة، مثل القول بتعارض هويات الناس العرقية مع ولائهم للدولة، أو القول بجنوح المجموعة العرقية لخوض نزاعات عنيفة فيما بينها نتيجة لتضارب القيم، أو القول إن البلدان المتعددة العرقيات أقل قدرة على النمو، منتهياً إلى أهمية وضع سياسات متعددة الثقافات، تعترف بالاختلافات بين المجموعات، لمعالجة الإجحافات ذات الجذور التاريخية والمترسخة اجتماعياً.
بالنسبة للعالم الإسلامي، فإن خيار التفاعل الإيجابي القادر على انتقاء الجيد، واستبعاد المواد الرديئة، والعمل على اقتحام ميدان الإنتاج والمنافسة العالمية، هو الخيار الوحيد الملائم لمواكبتهم الحركة العولمية المتسارعة، ولذلك شروط ومتطلبات لا تزال غير متحصلة في العالم العربي، ومن أهم هذه المتطلبات الغائبة هي"البنية الثقافية"الصالحة للنمو والإنتاج، فثمة عجز داخلي مرده سيادة"ثقافة متأكسدة"غير قابلة للتفاعل المثمر مع العصر، تتصدرها فتاوى وآراء فقهية تقليدية، وعادات وتقاليد بالية، ومنظومة مفاهيمية تقدس قيم الاستهلاك وتقتل روح الإبداع، وتقف عقبة كأداء أمام الدخول في ميدان التنافس المعرفي.
ولعل المرأة هي الأكثر تأثراً من غياب"البنية الثقافية"الصالحة، فهي لا تزال ضحية الأفهام البشرية الخاطئة في العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يؤكد ضرورة إسراع المرأة في تقديم مساهماتها النوعية لرسم الهوية الثقافية الجديدة المتناسبة مع طموحاتها العريضة، وبما يعمق من دورها في كافة المجالات التنموية.
وبالنظر إلى حجم أعداد النساء وطبيعة أدوارهن الراهنة، فيمكن للمرأة اليوم أن تدير نظرها عن الأدوار الهامشية، وأن تلعب دوراً أصيلاً في تحريك عجلة التغيير في مجتمعها، لو استجابت للفرص الإيجابية التي توفرها طفرة التواصل الكوني، وعلى سبيل العناية يمكن للمرأة أن تسد فجوة هائلة ومتسعة في ميدان البحث العلمي والدراسات الفكرية والتخصصية، فإحدى أهم العوائق التي تقف حائلاً أمام تقدم العالم العربي والإسلامي، قلة أعداد البحاثة وأهل الاختصاص، فعدد مراكز الدراسات والأبحاث على طول وعرض العالم العربي تقارب الـ 600 مركزاً، أما عدد البحاثة فهو لا يتجاوز 371 من كل مليون شخص.