ويخطئ البعض عندما يظن أن الخشية من تعميم النمط الثقافي ا?مريكي أو"أمركة العالم"قاصرة على الدول النامية فقط ، فدولة كفرنسا بكل ثقلها الثقافي رفعت أثناء مفاوضات الجات شعار"الاستثناء الثقافي"الذي يعني عدم معاملة المنتجات الثقافية وا?علامية باعتبارها سلعا اقتصادية تباع وتشترى في سوق عالمي متنافس ،وإنما باعتبارها منتجا يحمل رسالة ثقافية بحتة، بل إن فرنسا أصدرت قانونا توجيهيا عام 1997 م ، يلزم القنوات التليفزيونية الفرنسية بأن تكون 60% من برامجها التي تبثها من أصل أوروبي،وهو قانون موجه أساسا ضد ا?نتاج السينمائي والتليفزيوني ا?مريكي، وتمثل فرنسا اتجاها داخل المجتمع ا?وروبي يدعو إلى إيقاف مسيرة"أمركة أوروبا".
والواقع أن ا?ثار الثقافية لمسألة تحرير التجارة لا يمكن أن ُترصد بسهولة ، لأن أساس وجود المنظمة وقوانينها هو اقتصادي ، والأمر الثاني أن الآثار الثقافية لا تظهر مبكراً ، وإنما تحتاج إلى زمن طويل نسبياً حتى تظهر، والدراسات الاستشرافية لمثل هذه الآثار غير متوفرة ، ونحن هنا نرصد بعض المؤشرات التي تسهم في تكوين ملامح عامة عنها ، وسنهتم فيما يلي برصد بعض القضايا الخاصة بالسعودية .
1-التعليم ا?جنبي
يمثل التعليم بكافة مراحله معظم قطاع الخدمات التربوية التي تم الاتفاق على تحريرها في اتفاق المملكة مع المنظمة بلا استثناءات أو قيود في إطار اتفاقية الخدمات (GATS) ، وقد تم فتح هذا المجال للاستثمار الأجنبي ، وفتح هذا المجال بهذه الصورة مثير للجدل فهو من أخطر المجالات التي تتحفظ الدول عادة في فتحه فالدول النامية التي تقع المملكة ضمن منظومتها لم يفتحه منها سوى 20% منها ، بل إن عدداً من الدول المتقدمة لم تفتحه بهذه الصورة التي حصلت مع المملكة ، وبلغت نسبة الدول التي فتحت هذا المجال من مجموع دول المنظمة 31% ولذا يبقى السؤال قائماً كيف حصل هذا ؟
ومعلوم أن أحد أوجه تميز التعليم في المملكة كونه ينبع من عنايته بغرس الهوية ا?سلامية في نفوس الطلاب منذ نعومة أظفارهم حتى بلوغهم مرحلة التعليم الجامعي من خلال المنهج والمدرس والبيئة التعليمية ، وغني عن البيان ما للبيئة التعليمية من تأثير على الهوية ، حيث تضطلع بمهمة ترسيخ مقومات الهوية ، وأهمها العقيدة واللغة والثقافة والتاريخ و تحصين أبناء المجتمع ضد ما يتعرض له من تشويه لهويته ، والرقي بالمجتمع من خلال تطوير مخرجات المناهج الدراسية استجابة لمتطلبات التنمية و تحديات العصر .
وفي المملكة تعليم أجنبي في المستوى قبل الجامعي، حيث بلغ عدد المدارس ا?جنبية 170 مدرسة (منها 40 مدرسة في مدينة الرياض ) ، وثمة شكاوى عديدة من ا?ساليب التي تتبعها هذه المدارس فيما يتعلق بالتجاوزات الشرعية ، والمتوقع أن يزداد الأمر سوأ في حالة دخول مستثمرين أجانب إلى هذا المجال .
ومن ناحية أخرى قد تركز تلك المدارس على اللغات ا?جنبية في تدريس مقرراتها مستغلة رغبة البعض في ذلك ، وهو أمر يؤدي في الغالب إلى إضعاف اللغة ا?م للطالب، وغني عن البيان ما تتعرض له اللغة العربية من أزمة خانقة بسبب تخلف طرق تدريسها وتقصير المتخصصين في العناية بها ، ومن شأن انتشار المدارس ا?جنبية أن يزيد من إعراض الطلاب عن اللغة العربية،وترسيخ شعور لديهم بأن اللغة الانجليزية هي لغة العصر والعلم والبحث التي تعكس رقي المتحدث بها وسعة اطلاعه ، ومن المهم هنا التنبيه إلى الفرق بين تعلم اللغات ا?جنبية وإتقانها الذي يبقى أمرا مطلوبا للبعض في مراحل متقدمة ، وبين تعليم الناشئة اللغات الأجنبية في مراحل تعليمهم ا?ولى وإلزامهم بذلك بما ينطوي عليه من إهمال للغة العربية وفقدان للهوية .
وحيث تم فتح هذا المجال فينبغي أن نفرق بين المستويين الجامعي وما قبل الجامعي ، فما قبل الجامعي خطير جداً لأنه تعليم عام في مراحل بناء الهوية فإذا صعب استثناؤه فعلى الأقل يقيد بأن تكون الإدارة من قبل وزارة التربية والتعليم ولا يكتفى بالمدير فقط مع التأكيد على تطبيق الأنظمة المحلية والحزم في التزام الضوابط المرعية أما الجامعي فيمكن أن يستثمر هذا المجال المفتوح والذي أصبح أمراً واقعاً في التخصصات التقنية والطبيعية للنهوض بمستوى التعليم العالي في المملكة شريطة وجود نظام إشراف ومتابعة فعال على المؤسسات ا?جنبية ، وإيجاد الأنظمة الكفيلة بجعل عمل هذه المؤسسات يصب في صالح البلد من خلال اشتراط توفير التخصصات الناقصة والمطلوبة للمملكة، وا?سهام في تنمية البحث المحلي ، وتقديم المنح الدراسية للمتفوقين والمحتاجين، وعدم تنحية اللغة العربية في التدريس والبحث ، مع التزام الجامعات بالأنظمة المحلية من منع الاختلاط وضبط المحتوى . وعند توفر هذه الشروط تقل إمكانية حدوث اختراق ثقافي .
2-مقاطعة إسرائيل
يتكون نظام مقاطعة إسرائيل على مواد تدور حول حظر التعامل مع إسرائيل أو استيراد البضائع والسلع والمنتجات ا?سرائيلية بكافة أنواعها، وحظر تبادلها أو الاتجار فيها داخل المملكة وحظر التعامل مع الشركات التي تتعامل مع إسرائيل .